معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 114
"من"حرف جرّ زائد للتوكيد، وهو هنا داخل على المبتدأ بعد"هل".
لقد كان من الممكن أن يكون الجواب: لا لم أمتلئ، أو: ما زال يوجد فيّ اتساع لأفواج قادمة. أو نحو هذه التعبيرات.
لكنّ هذه التعبيرات وأشباهها تعبيرات تلقائيّة مباشرة، ليس فيها سموّ جماليّ، لا في الصياغة، ولا في الفكرة.
أمّا التعبير القرآنيّ المختار، فقد كان جواب السؤال فيه، على طريقة الإجابة على السؤال بسؤال يتضمّن الجواب على قدر السؤال، وسؤالا زائدا فوقه يتضمّن أفكارا زائدة على الجواب المطلوب.
فقول جهنّم: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ يشعر بأنّها تطلب المزيد، إذن فهي لم تمتلئ. ويشعر بأنّها تتلهّف للمزيد من الذين يلقون فيها، كجائع أو ظامئ لم يشبع من طعام أكله، أو شراب شربه، فيقول بتلهّف: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ.
على هذا الوجه ينبغي أن نفهم هذا السؤال، فهو المطابق لما جاء في الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أمّا المفهومات الأخرى فلا دليل عليها.
روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"لا تزال جهنّم تقول: هل من مزيد؟ حتّى يضع فيها ربّ العزّة تبارك وتعالى قدمه، فتقول: قط، قط وعزّتك، ويزوى بعضها إلى بعض".
يزوى: أي: يطوى ويجمع.
وفي رواية أخرى:
"لا تزال جهنّم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتّى يضع ربّ العزّة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط، قط. بعزّتك وكرمك."
ولا يزال في الجنّة فضل، حتّى ينشئ اللّه خلقا فيسكنهم فضل الجنّة"."