معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 116
وسهولة، ولو بوسيلة من الوسائل لا يعتبر بعيدا، وقد صرنا في هذا العصر الذي نعيشه، نستطيع أن نتصوّر أنّ القمر قريب من الذين لديهم في الأرض الوسائل الموصلة إليه.
اللّقطة البيانيّة الثالثة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ:
هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) .
هذا نصّ مقتطع من أحداث يوم الدّين، قدّم بصيغته كما لو كان الحدث يجري الآن، وهذا الأسلوب من روائع المبتكرات القرآنيّة في البيان الكلامي.
المشار إليه باسم الإشارة هذا الجنة الّتي صارت بإزلافها قريبة من رؤيتهم البصريّة، وإذ يرون الجنّة فقد يرون فيها بعض ما أعدّ اللّه فيها من نعيم مقيم لأصحابها.
وجاء اسم الإشارة الموضوع للمفرد المذكر مراعاة للفظ ما في ما تُوعَدُونَ فهو ما كانوا يوعدونه في الدنيا بالكتب الربّانيّة، وعلى ألسنة المرسلين، واستعمل الفعل المضارع لأنّ هذا الوعد قد كان متجدّدا دواما، وما زالوا يوعدونه حتّى دخولها.
لكنّه ليس وعدا عامّا لكلّ الناس، بل هو وعد لكلّ من استجمع عدّة صفات جاء بيانها في هاتين الآيتين، وهي الصّفات التاليات:
الصفة الأولى: أنّه أَوَّابٍ وهو الرّجّاع إلى اللّه بالتوبة والنّدم، في فعل"آب يؤوب"أي: رجع. ولفظ"أوّاب"على وزن"فعّال"من صيغ المبالغة، أي: هو كثير الرّجوع إلى ربّه بالتوبة والنّدم والاستغفار، كلّما بدرت منه بادرة معصية. وهو أيضا سريع الرّجوع إلى ربّه، لا يتمادى في معاصيه.