فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 134
الخطاب الرّبّانيّ يوجّه له بقوّة وشدّة، فهو المخاطب به أوّلا، ويجب عليه أن يؤمن به قبل سائر المكلفين أن يؤمنوا به، ثمّ هو مكلّف أن يدعوا الناس إلى الإيمان به.
وهذا أسلوب علاجيّ للإقناع بصدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أكثر نفاذا إلى عمق أفئدة مكذّبيه، وإن أصرّوا على موقفهم عنادا ومكابرة.
والمعنى الذي يومئ إليه هذا الأسلوب يمكن التعبير عنه بما يلي:
استمعوا أيّها المكذّبون، هذا رسولنا نخاطبه بهذا الخطاب الجازم الحازم بشأن بعض أحداث يوم الدّين، تثبيتا له، بعد أن اتهمتموه وشتمتموه.
يضاف إلى هذا أنّ من أساليب خطاب الأمّة خطاب قائدها، أو إمامها أو رسولها.
فخطاب اللّه لرسوله في أمر من أمور الدّين العامّة الّتي لا خصوصيّة للرسول به، هو خطاب لكلّ أمّة دعوته، من استجاب ومن لم يستجب.
وقد جاء في هذا البيان الرّبّانيّ بيان ثلاثة أحداث متتاليات من أحداث البعث إلى يوم الحساب وفصل القضاء.
الحدث الأوّل: نداء يصدر من مكان قريب يناديه مناد بأمر اللّه، لبعث الموتى إلى الحياة الأخرى، وهذا النداء يصل إلى كلّ مبعوث.
فهل هو نفخ الصّور النفخة الثانية، أو هو نداء يحدث بعدها؟ اللّه أعلم، إذ ليس لدينا بيان عن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا، والنّصّ يحتمل الأمرين، دلّ عليه: يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ.
الحدث الثاني: سماع كلّ المبعوثين صيحة النداء بالحقّ، وهو الخروج من الأجداث، والتوجّه لمحكمة العدل الرّبّانية، دلّ عليه: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِ وبهذا السّماع يحيون كما يستيقظ النائم من نومه.