معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 136
أقول:
لدى التأمّل بتدبّر عميق نلاحظ أنّ الممتحنين المكلّفين في الحياة الدّنيا، قد أعطاهم اللّه جلّ جلاله حرّيّة الإرادة، التي يختارون بها ما يشاءون من طريق الخير، أو مسالك الشرّ، وسخّر لهم في ذواتهم وفي الكون من حولهم الأشياء، والقوى التي ينفّذون بها مراداتهم، ما لم تتعارض مع قضاء اللّه وقدره العامّ، فهم يشعرون بأنّ مصائر مطالب نفوسهم بأيديهم.
لكنّهم يوم الحساب وفصل القضاء لا تكون لهم حرّيّة اختيار، إذ كلّ ما يجري في ذلك اليوم خاضع بالجبر لسلطان ربوبيّة الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه، وهذا مصير إليه وحده بعد رحلة التخيير والتسخير، وقد كان الممتحن في هذه الرحلة يختار لنفسه على ما يشاء، إذ جعل اللّه له ذلك، دون أن يتدخّل بالجبر فيما منحه فيه التخيير.
إذن: فإلى اللّه وحده دون تدخّل إرادة المخلوق يومئذ يكون المصير، على أنّ المصير إلى اللّه وحده يبدأ منذ انتهاء رحلة الحياة الدنيا، وابتداء رحلة البرزخ بين الموت والبعث، لأنّ بعض الجزاء الجبري يبدأ عقب الموت مباشرة.
قول اللّه تعالى: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (44) .
في هذه الآية إضافة بيان ثلاثة أحداث أخرى من أحداث البعث إلى يوم الحساب وفصل القضاء.
الحدث الأول: تشقّق الأرض عن الّذين كانوا موتى لينبتوا منها كما ينبت الزّرع في الأرض، دلّ على هذا الحدث: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ وسبق توجيه قراءاتي: تَشَقَّقُ [تشّقّق] .
الحدث الثاني: خروجهم من الأرض سراعا، دون إبطاء في الزّمن،