معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 174
في تحمّل هذه المشقّات والمتاعب أن يخلف أهواءه وشهواته ونزعاته ورغباته المخالفات لأوامر ربّه ونواهيه في رحلة امتحانه القصيرة، لينال السعادة الخالدة، في حياة أخرى سوف تتحقق يوم الدّين.
وإلّا سقط في الامتحان وخاب وخسر.
وبعد هذا التّنبيه المشدّد على هذه الظاهرة ذات الدلالة العميقة، التي يفهمها المتدبّر المتعمّق الحصيف، جاء في السّورة بيان صارفين من صوارف النفس عن الإيمان بالجزاء الرّبّاني، وبيوم الدين، لبعض المكذبين به:
الصارف الأول: اغترار المكذّب بيوم الدّين، إذا كان من أصحاب المال والأعوان والأنصار، بما لديه من قوّة، حتّى يتوهّم أنّه محميّ بقوّته فلا يقدر عليه أحد، فيغفل عن خالقه العليم الحكيم القدير، وواجبه تجاهه، ويغفل عن قدرته على مجازاته بما يستحقّ من عقاب، إذا كفر وعصى وكان من المجرمين.
الصارف الثاني: توهّم بعض المكذبين بيوم الدّين، أنّه ليس عليه رقيب، إذا استخفى عن أعين الناس بجرائمه وشروره التي يرتكبها.
وهذا ناشئ عن سذاجة وسطحيّة فكريّة يتوهّم بها أنّ ما لا يشاهده ببصره من حوله، فهو غير موجود.
وجاء في السّورة دفع هذين الصّارفين ببيان أنّ الخالق هو الذي منح ذا القوّة ما لديه من قوّة، وما لديه من أسبابها، وهو الّذي منح كلّ إنسان أدوات المعرفة، ووسيلة التعبير عنها، أَفلا يكون سبحانه قادرا على عقاب الكافر والعاصي بما يستحقّ من عقاب؟! أَفلا يكون سبحانه عليما بكل ما يكسبه عبيده في رحلة امتحانهم؟!
وجاء في السورة بيان معرفة الإنسان بطريق الخير وطريق الشرّ، بما