فهرس الكتاب

الصفحة 1536 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 179

فالوجه الّذي اقتضى القسم روعي حاله بذكر القسم والمقسم به، تنبيها على ما في المقسم به من تأكيد للخبر المقسم عليه، أو حجّة هادية إلى أنّ الموضوع الذي يراد تأكيده حقّ وصدق.

والوجه الّذي اقتضى أنّه لا فائدة من هذا القسم، بالنّسبة إلى المعنيّين بالخطاب إبّان التنزيل، روعي حاله بنفي القسم.

* لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (2) .

المراد ب"البلد"مكة البلد الحرام، حرسه اللّه وزاده شرفا. وجاء تعيينه باسم الإشارة"هذا"لتمييزه عن سائر بلاد الدنيا، التي يصحّ أن يطلق على كلّ واحد منها لفظ"البلد"ولمّا كانت مكّة مهبط وحي هذه السّورة كان اسم الإشارة"هذا"الّذي يشار به إلى القريب هو الملائم الذي يفيد تعيين مكّة البلد الحرام.

وكان أهل مكّة يؤمنون بالحرمة العظيمة لبلدهم، وللمسجد الحرام فيها، ولا سيما الكعبة المشرفة بيت اللّه فيه، إلى حدّ أنّهم قد يقسمون به على ما ظهر لي، لتوثيق أخبارهم، ووعودهم، وعهودهم.

ومن تعظيمهم لبلدهم أنّهم كانوا يؤمنون من دخله، ولا يستحلّون دمه، ولا ماله، ولا عرضه، وقد عقدوا حلف الفضول لنصرة المظلوم، وكان هذا في الجاهليّة قبل بعثة الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، وكان الرسول قد حضره قبل بعثته.

وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (2) :

أي: وأنت يا محمّد بن عبد اللّه، ولا يمكن أن يكون الخطاب بضمير"أنت"لغيره، لأنّه هو الّذي يوحى إليه، وهو الذي جعله كبراء مشركي قومه حلّا، أي: هدفا، وفي هذا تكريم وتسلية للرسول. وجاء لفظ البلد هنا مذكّرا، وهو أحد وجهين عربيّين له، إذ يجوز أن يؤنث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت