فهرس الكتاب

الصفحة 1538 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 181

الثاني: التنبيه على أن المشركين استحلّوا الحرمة العظيمة لهذا البلد، بإيذاء رسول اللّه فيه، واضطهاد الذين آمنوا به واتبعوه. فعبارة بِهذَا الْبَلَدِ في الآية الثانية تشعر بعظم حرمته، بعد تعيينه وتمييزه في الآية الأولى، فالمعنى: وأنت رسولي العظيم حلّ بهذا البلد العظيم الذي لا يجوز أن يكون أحد من الناس العاديّين فيه حلّا. فكيف برسولي العظيم؟!

والخطاب في هاتين الآيتين موجّه للرّسول بصريح العبارة، لكنّ القضيّة الّتي يراد تأكيدها مسوقة لإقناع المكذبين بقانون الجزاء الرّبّاني، وبيوم الدّين، فهم المعنيّون بمضمون الخطاب، وبما أنّ هؤلاء المعنيّين إبّان التّنزيل قد استحلّوا حرمة البلد الحرام، إذ جعلوا رسول اللّه فيه حلّا لهم، يسدّدون إليه سهام إيذاءاتهم، فالقسم بهذا البلد لا يؤثّر في نفوسهم لتأكيد القضية المسوقة لإقناعهم، وهذا المعنى يلائمه أن لا يقسم اللّه بهذا البلد.

غير أنّ هذا البلد ذو حرمة عظيمة، فهو لهذه الحرمة يستحقّ أن يقسم اللّه به.

ففيه أوّل بيت وضع للناس، وكان موقعه أوّل ما برد من قشرة الأرض على ما ورد في بعض الأخبار، وما من نبيّ إلّا حجّ إليه، وهو بلد ذو حرمة عظيمة في نفوس العرب جميعا، منذ عهد رسول اللّه إسماعيل عليه السّلام، ثم إنّ ذكريات بناء إبراهيم له مع ولده إسماعيل عليهما السّلام بأمر اللّه، باقية متداولة في العرب عبر أجيالهم.

ومراعاة لاقتضاء القسم بهذا البلد وعدم القسم به معا، قال اللّه عزّ وجلّ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (1) وأبان اللّه سبب هذا الإجراء بقوله خطابا لرسوله: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (2) وفي هذا تكريم عظيم للرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أي: ولو لم تكن حلّا بهذا البلد لكانت العبارة المناسبة: أقسم بهذا البلد.

* وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (3)

أي: وكلّ والد، وكلّ ما ولده كلّ والد من أنسال، في كلّ الأحياء المتوالدة حتى الحشرات وما دونها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت