معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 183
شدّته ومشقّته. قال اللّيث: الرّجل يكابد اللّيل، إذا ركب هوله وصعوبته.
ويقال: كابد الأمر مكابدة وكبادا، أي: قاساه. واسم الفاعل منه"كابد"على غير قياس فعله.
ولفظ"الإنسان"عنوان لكلّ خصائصه الّتي ميّزه اللّه بها، وخصائص الإنسان وصفاته دليل على الحكمة من خلقه في ظروف الحياة الدّنيا، وهي حكمة الامتحان، والامتحان يقتضي عقبات يطلب من الممتحن أن يقتحمها حتى يظفر بالنجاح الأسمى، أو بدرجة من درجات النجاح على مقدار ما اقتحم من عقبات وضعت له في امتحانه.
والامتحان يستلزم عقلا الحساب، وفصل القضاء، ثمّ الجزاء، وهذا يأخذ بيد المتفكّر الّذي يتنقّل مع اللّوازم الفكريّة إلى أن يصل إلى الإيمان بيوم الدين.
وقد أبرز النّصّ من ظروف الامتحان الّتي وجد الإنسان فيها أنّه مخلوق في كبد، فالكبد محيط به من كلّ جوانبه، منذ ميلاده عابرا رحلة حياته في هذه الدنيا، حتّى وفاته.
إنّ الإنسان مضطر في هذه الحياة أن يتحمّل مكابدة الشدائد والمشقّات، وأنواع الضيق والمزعجات، وأن يكون كادحا في كثير من أوقاته، ليدفع عن نفسه المخاطر والآلام، ويجلب لنفسه أسباب العيش، وبعض اللّذّات، يدفعه حلو الأمل في أن يحقّق لنفسه بالكدح الشّديد مختلف لذّات الحياة، وأنواع متاعها.
ومن الناس من تلتهب في داخل نفسه نار الشوق الحامية، لانتهاب اللّذات، وتحقيق الرّغبات، طمعا في الظفر بالسّعادة الّتي لا مطمع في الظّفر بها في ظروف الحياة الدنيا، دون منغّصات كثيرات، ومكدّرات ومقلقات جسيمات.