فهرس الكتاب

الصفحة 1541 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 184

إنّ الإنسان يمرّ في الحياة الدنيا على سلسلة من المتاعب والمشقّات الّتي يعانيها ويكابدها منذ نشأته حتّى وفاته.

ومكابدة الإنسان مقرونة بكدح لا تطول الرّاحة بعده إلا بمقدار الحاجة إلى التّزوّد بطاقة لكدح آخر.

والكدح هو العمل بتكلّف ومشقّة ونصب في كسب خير، أو اكتساب شرّ.

لقد كابد الإنسان قبل أن يعرف نفسه كلّ عقبة حوله، حتّى صار إنسانا فعرف نفسه.

كابدت جرثومته الأولى سباقا عنيفا بينها وبين الملايين من أمثالها وأشباهها، حتّى استطاعت أن تشقّ طريقها إلى الحياة الإنسانيّة.

وحين تطوّرت بقضاء اللّه وقدره وخلقه فصارت جنين إنسان، كابدت مشقّات السّجن المحدود، والقيد المشدود، في بطن الأمّ.

ولمّا تكامل الجنين ونضج، وأراد اللّه عزّ وجلّ له أن يتنسّم نسيم الحياة على الأرض الواسعة، كابد مشقّات النّفوذ من المضايق الشّديدة عند الولادة.

وما أن دبّ على ظاهر الأرض حتّى أحاطت به مشقّات أكبر حجما، وأكثر عددا، وأشدّ قسوة.

وكلّما تدرّج في أطوار النّموّ عظمت أمامه العقبات، وتطلّبت منه الحياة مكابدة أعظم، لتحصيل الرّزق، ودفع المخاطر والآلام، وللمسابقة والمنافسة مع النظراء، للحصول على أكثر نصيب من متاع الحياة الدنيا.

وكلّما زادت لديه تجارب الكدح والمكابدة في مصارعة مشقّات الحياة، واجتياز عقباتها، ومغالبة كلّ معارضة أو منافسة، ظهرت في نفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت