فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 185
دوافع جديدة تسوقه إلى مغامرات جديدة، يكابد فيها آلاما، فهو في تطلّع مستمرّ إلى الاستزادة، وكلّما انتهى به كدحه إلى جديد، ولذّ له ذلك الجديد، نما في نفسه الحرص والطّمع، فأخذ يكابد مشقّات أخرى لتحصيل مطالب أخرى للنّفس، أو للفكر، أو للجسد، والعامل لدنياه يكدح من أجل الدّنيا، والعامل لآخرته يكدح من أجل الآخرة، وكلّ منهما في مكابدة مستمرّة، وكدح متتابع، وهما لا ينتهيان إلّا بموته.
هذه حقيقة مشهودة في السّلوك الدائم للإنسان، وقد عبّر عنها المعرّيّ بقوله:
تعب كلّها الحياة فما أع ... جب إلّا من راغب في ازدياد
إنّ الإنسان حريص على البقاء بدافع فطريّ غرزه اللّه في أعماقه، فهو يتحمّل من أجل ذلك أنواعا من المكابدة والكدح الشّاقّين، للحصول على الرّزق، وفي مكابدته وكدحه يصطدم بعقبات كثيرات، فإن وصل إلى ما يريد، كابد مشقّات الحفظ والحماية من أيدي الظالمين، وإن لم يصل إلى ما يريد، كابد آلام الفقد والحرمان والخيبة.
هذا مثال، وفي حياة الإنسان أنواع كثيرة أخرى من المكابدات التي يكابدها، لتحقيق ما يتجدّد في نفسه من رغبات: فللحبّ مكابدة وكدح، وللكراهية مكابدة وكدح، وفي الجود مكابدة وكدح، وفي الشّحّ مكابدة، وفي الصّبر مكابدة، وفي الضّجر مكابدة، وفي الطمع مكابدة، وفي القناعة مكابدة، وفي طاعة اللّه والعمل بمراضيه، وفعل الخيرات، واجتناب المعاصي والمخالفات، مكابدة وكدح، وفي معصية اللّه، والعمل بمساخطه، وفعل الشرور، وارتكاب الموبقات، لإرضاء الشهوات، مكابدة وكدح.
هكذا الحياة الدنيا للإنسان، تكاد تكون مسالكها وطرقها مكتظّة بما يتطلّب من سالكها مكابدة وكدحا لاجتياز عقباتها، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (البلد/ 90 مصحف/ 35 نزول) :