فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 186
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (4) .
وكما قال عزّ وجلّ في سورة (الانشقاق/ 84 مصحف/ 83 نزول) خطابا للإنسان مؤمنا كان أم كافرا، تقيّا كان أم فاجرا:
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (11) وَيَصْلى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا (15) .
يَدْعُوا ثُبُورًا: أي: يدعوا ربّه أن يهلكه هلاكا أبديّا، إذ يكون له الموت راحة من العذاب.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) : أي: ظنّ أن لن يرجع إلى الحياة بعد الموت.
إنّ الإنسان لمّا كان في ظروف الحياة الدّنيا ضمن محيط به من الكبد (- الشدّة، والمشقة، والضّيق، والمعاناة) كان بحاجة إلى الكدح (أي: إلى الكدّ والعمل الشّاق بنصب وصبر على المتاعب والآلام) لتحقيق مطالبه العاجلة والآجلة من خير أو شرّ، فطالب الدّنيا الّذي لا همّ له إلّا متاعها وزينتها والتفاخر والتكاثر منها، يكدح على مقدار استطاعته للوصول إلى مطالبه منها. وطالب الآخرة الذي جعل هدفه رضوان اللّه وجنّات النعيم خالدا فيها مخلّدا، يكدح على مقدار استطاعته للوصول إلى السعادة الخالدة.
وهنا وبعد ظهور هذه الحقيقة، يتساءل المتفكّر المتدبّر: لماذا خلق اللّه الإنسان ضمن ظروف الحياة الدّنيا في هذا الكبد المحيط به، إحاطة الكرة الشّاملة بما في داخلها؟
ويستطيع بالتأمّل المقرون بهدي البيان القرآنيّ، أن يعرف السّبب،