معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 187
وهو أنّه مخلوق ممتحن مبتلى في ظروف هذه الحياة الدّنيا، والابتلاء يقتضي التّكليف، ولا معنى للتكليف بدون مشقّة وكبد ومعاناة، فجعل اللّه عزّ وجلّ ظروف الحياة الدّنيا كذلك، تحيط الإنسان بالكبد، كإحاطة الماء بالسّمك في البحر.
ولهذا فميادين الامتحانات وساحاتها لا بدّ أن تبثّ وتنشر فيها العقبات، والمفازات، والحفر، والأشواك، والمخيفات، والشدائد. إضافة إلى مرضيات الأهواء والشهوات ومحقّقات بعض اللّذّات الممنوعة المحرّمة، وبعض اللّذّات المباحات.
والظّفر يكون باقتحام العقبات واجتيازها، وتحمّل المكابدة فيها والكدح، مع كراهية النفوس لذلك، باجتناب مرضيات الأهواء والشهوات، ومحقّقات اللّذّات المحرّمات، المزيّنات للنفوس، والمحبّبات لديها.
وبهذا الامتحان الصّعب على النفوس يكتشف المقتحم الكيّس، الذي يجتاز بنجاح، ويستحقّ دار الكرامة، ومقام التكريم، بفضل ربّ العالمين الذي وضع النّاس في الحياة الدّنيا موضع الامتحان. ويكتشف العاجز المرتكس الّذي يتّبع هواه، وتأسره شهواته، ويكون كلّ همّه متعلّقا برغباته من الحياة الدنيا، فيجتاز رحلة امتحانه ظالما آثما، عاصيا مستكبرا على ربّه، ومتمرّدا على أوامره ونواهيه، وتنتهي رحلة امتحانه بالخيبة، مبعدا عن دار كرامة الرّحمن، ومقام التكريم عنده، ومستحقّا العذاب بالعدل في دار العذاب النّار.
ولو جعل اللّه الحياة الدّنيا كلّها متاعا لا كبد فيه ولا كدح ولا متاعب ولا عقبات، لما كانت صالحة لامتحان الإنسان فيها.
فواقع هذه الحياة الدنيا، بما فيها من كبد وكدح على نجدين(أي:
طريقين)نجد الخير ونجد الشر، هو من كمال الحكمة للغاية من خلق