معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 191
أقسام متفرّقة من الذين لا يؤمنون بالجزاء الرّبّانيّ، إذ تحجبهم أوهامهم عن إدراك براهين هذا الإيمان.
والإلماح إلى هذه الأوهام من المنهج الرّبّانيّ القائم على التتبّع التفصيليّ الدقيق للموضوع الواحد، إذ تكون عناصره موزّعة في عدد من سور القرآن المجيد.
والتتبّع هنا المح أو أشار إلى ثلاثة توهّمات توجد موزّعة في أصناف من الناس.
(1) فأصحاب القوّة والعزّة والجبروت في الأرض، يطغى على تصوّراتهم أنّهم بلغوا من القوّة الغالبة مبلغا يحميهم من أن يقدر عليهم في دوائر نفوذهم أحد فيغلبهم، وينالهم بشرّ أو بسوء، كبعض ذوي القوّة العزيزة في مكّة إبّان التنزيل، وكفرعون ونمرود والأكاسرة والقياصرة من قبلهم.
هذا صنف من الناس حين يشعر بأنّه عزيز لا يغلب، يذكر متفاخرا أنّه قد أنفق مالا كثيرا متلبّدا بعضه على بعض، أو أنواعا من الأموال كلّ نوع منها كثير متلبّد بعضه على بعض، حتّى جمع حوله من الأنصار والعتاد ما يحميه مستقبلا من أيّة قوّة تواجهه لتغلبه وتتسلّط عليه، وتصيبه بشرّ أو سوء.
وهذا التوهّم ينتفخ في نفسه انتفاخا فاسدا، حتى يطغى على مراكز البصيرة فيها، وعندئذ لا يبصر آيات اللّه في كونه، ولا يسمع البيانات المنزّلات من لدنه، ولا تعمل موازينه الفكريّة فيما خلقت له، حتّى يميّز الحقّ من الباطل، والخير من الشرّ. فينسى خالقه الّذي خلق السماوات والأرض، وخلق كلّ القوى، وأنّه هو الذي منحه القوّة، ويسّر له سبل جمعها، وأنّه هو الّذي سيهلكه مع الهالكين، فمن أعجب العجب أن يدفعه