معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 193
وجاء هذا الإسقاط بأسلوب طرح سؤال على أهل العقل والرّشد، ومن شأن هذا السؤال أن يستدعي إجابة توصل لوازمها الفكريّة إلى إقامة الحجّة عليه، وإثبات نقيض توهّمه، فقال اللّه عزّ وجلّ:
أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ (9) .
والجواب التلقائي يكون بكلمة"بلى"فقد جعل اللّه له عينين يرى بهما، ضمن حدود القدرة على الرؤية الّتي منحه اللّه إيّاها، وجعل له فما ذا لسان وشفتين، فهو ينطق به، ويعبّر به عمّا يعلم، في حدود اللّغة الّتي تعلّم رموزها الكلاميّة.
أي: فهل يمنحه اللّه الخالق أدوات الإبصار، ويكون هو سبحانه فاقد البصر، وهل يمنحه الإبصار ولا يمنح من يراقبه من الملائكة أدوات إبصار ترى أعماله؟!
وهل يمنحه الخالق فما ينطق به، ويكون هو سبحانه فاقد صفة الكلام، التي بها يناقشه الحساب، ويفصل القضاء بشأنه؟!!
وهل يمنحه الخالق صفة النّطق الذي يعبّر به عمّا في نفسه من المعاني، ولا يمنح من يراقبه من الملائكة القدرة على النّطق والتعبير، حتّى يشهد عليه بما اكتسب في رحلة امتحانه؟!!
إنّ هذا لأمر لا يقبله من لديه مقدار قليل من الفهم السّويّ الصحيح، فضلا عن إنسان فضّله اللّه بأدوات العلم واكتساب المعرفة، وجعله في أحسن تقويم.
ويمكن أن نستفيد من هذا الاستفهام المطروح حول قضيّتي الرّؤية والنّطق، نظيرا محذوفا بشأن قضيّة القوة، التي هي القضيّة الأولى، فيقال بجانبها: ألم نجعل له قوّة في جسمه؟!! ألم نسخّر له الأشياء في ذاته ومن حوله، حتّى صار بها عزيزا ضمن دائرته؟!! أنمنحه ذلك ونحن لا نقدر على أخذه، ومعاقبته على جرائمه؟!!.