معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 164
* إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) .
النّاشئ: هو ما يوجد متزايدا شيئا فشيئا، كالنبات يربو، والكائن الحيّ ينمو، وكأوقات اللّيل أو النهار تتراكم، والناشئة مؤنّث الناشئ، ومنه يقال:
فتى ناشئ، وصبيان ناشئون.
وجاء في تفسير ناشئة اللّيل أنّها ساعاته وآناؤه، لأنّها تنشأ نشوءا متزايدا رابيا، والمراد من ساعات اللّيل وآنائه أعمال العبادة فيها، وهو على تقدير: إنّ الأعمال في ناشئة اللّيل، وهو مجاز بالحذف، فهو من قبيل المجاز المرسل.
وجاء في تفسير ناشئة اللّيل أنّها أعمال العبادة الّتي تنشأ في الليل، كالصلاة الّتي تنشأ في اللّيل، والذّكر وتلاوة القرآن، فقيام اللّيل هو من ناشئة اللّيل، وهذا من إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له، ويسمّى عند علماء البلاغة مجازا عقليّا، وقد جرى هنا إطلاق لفظ"النّاشئة"وهو اسم فاعل، على الأعمال"المنشأة"في اللّيل، و"المنشأة"اسم مفعول، فهو من إسناد اسم الفاعل إلى غير ما هو له.
ونظيره في وصف المؤمن في الجنة بأنّه في عيشة راضية، مع أنّ العيشة مرضيّة من قبل المؤمن فيها.
* هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا:"هي"ضمير فصل جيء به للتأكيد. أشدّ وطأ:
أي: أكثر شدّة وطء، ومن كان ذا وطء شديد كان أثبت قدما.
الوطء: وضع القدم على الشّيء مع ثقل الجسم من فوقه، يقال لغة:
وطئ الشّيء يطؤه، إذا داسه. وتكون شدّة الوطء ببذل ثقل زائد أو قوّة ما على الموطوء، وبها يكون الواطئ أكثر ثباتا وتمكّنا.
فعبارة: هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا تدلّ على أنّ أعمال العبادة في ساعات اللّيل وآنائه أكثر وأشدّ ثباتا وتمكّنا في عمق النفس.