فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 165

فالعبادة الّتي هذه صفتها تكون عبادة راسخة بعيدة عمّا يهزّها ويزلزلها عن المقصود الحقيقيّ منها، من عوارض النفس وشهواتها، ومشاغل الفكر، وصوارف الرّياء والسّمعة، لأنّها تكون بين العبد وربّه في صفاء ونقاء وخلوة، في جوف اللّيل المحاط بالرّهبة والسّكون.

وعبارة: أَشَدُّ وَطْئًا تحمل أيضا معنى أنّ العبادة في آناء اللّيل أكثر غلبة للنفس وشهواتها، وأكثر قهرا لها وتذليلا، أخذا من قول العرب:

وطئنا العدوّ وطأ شديدا.

وجاء في القراءة الثانية: [أشدّ وطاء] الوطاء: الموافقة، يقال لغة:

أوطأ فلان فلانا على الأمر، إذا وافقه، والتواطؤ هو التوافق. والمراد من كون ناشئة اللّيل أشدّ وطاء أنّها أشدّ مواطأة وموافقة بين أعمال الجوارح وحالة النفس والفكر والقلب. أي: هي أجمع لكلّ جوانب النفس حتّى عمق الفؤاد مع مشاعر الحواسّ الظّاهرة على العبادة.

وَأَقْوَمُ قِيلًا: القيل: هو القول. والمعنى أنّ القول في ساعات وآناء اللّيل يكون أكثر استقامة، وأدنى إلى مطابقة الحقّ والخير والهدى، وأكثر سدادا ورشدا وتوفيقا للمعاني الجليلة.

إنّ اللّيل بسكونه ورهبة ظلمته يهيّئ للعابد سكينة نفسيّة، تجعل ما يقوله في عبادته من ذكر ودعاء وتدبّر لآيات كتاب اللّه، وما يتفكّر فيه من آيات اللّه الكونيّة، أكثر استقامة، وأقرب إلى مطابقة الحق والخير والهدى، وأصدق مناجاة للّه وتذلّلا بين يديه.

واستقامة القول في الذكر والدّعاء والتّلاوة وإنشاء المقالات وتأليف المؤلفات وابتكار الأفكار تكون بالتزام الحق والخير والهدى، وابتغاء مرضاة اللّه عزّ وجلّ، بحضور صحيح ثابت راسخ مع اللّه، فكرا ونفسا وقلبا حتّى عمق الفؤاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت