معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 166
ودلّ قول اللّه تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) على أنّه ينبغي تخصيص اللّيل لأعمال العبادة على اختلاف أنواعها، وترك أعمال كسب الأرزاق للنّهار، إلّا عند الحاجة أو الضرورة.
* إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) .
الخطاب في هذه الآية موجّه للرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ لأمّته المتأسّين به، ولا سيما حملة رسالته في الدعوة إلى اللّه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقيادة الخلق إلى الحقّ والخير والهدى.
السّبح: حركة الانتقال من مكان لآخر برفق ولين وسهولة، ومنه سبح السّمك في الماء، وسبح الطّير في الهواء، وسبح الكواكب والنجوم في مسيراتها بأفلاكها، وحركة اللّيل والنهار الدائرة في فلكها.
ويطلق السّبح على تقلّب الإنسان وتصرّفه في معايشه، وسمّى العرب جري الخيل سبحا، وقالوا عن الفرس الذي يجري:"سابح"لأنّ حركته السّريعة حركة سبح، إذ تكاد قوائمه لا تلامس الأرض.
فالمعنى: إذا خصصت اللّيل لعبادة اللّه فيه كما أمرك اللّه ربّك بقوله:
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) فإنّ لك في النهار مجالا واسعا وزمنا طويلا للقيام بما تحتاج إليه من مطالب حياتك، ومعايشك، وللقيام بوظائف رسالتك الدّعويّة والتربويّة، والجهاديّة مع الناس.
وقد علمنا أنّ تفريغ اللّيل للقيام بالصلاة ونحوها قد كان في السنوات العشر الأولى من تاريخ رسالة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ نزلت الآية (20) من السورة ناسخة هذا التكليف الإلزاميّ، ويظهر أن قيام جزء من اللّيل بقي واجبا على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، أمّا سائر المسلمين فيسنّ لهم قيام اللّيل دواما.
وفي قوله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) إرشاد إلى أن تكون الحركة لتحصيل مطالب الحياة، وكسب الأرزاق، وابتغاء المعايش،