فهرس الكتاب

الصفحة 1615 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 259

لكلّ ما يطلب منه حفظه أفيعجز الرّبّ العظيم الجليل الّذي خلق السّماء العظيمة، وخلق هذه النجوم المدهشة بتكوينها وأعدادها وإتقان مسيراتها وحركاتها في أفلاكها، عن أن يجعل على كلّ نفس حافظا مراقبا، يسجّل عليها كلّ ما يحدث فيها وكلّ ما يصدر عنها؟!

تعالى اللّه عن أن يكون عاجزا علوّا كبيرا، والشّاكّون بمثل هذا الخبر ما قدروا اللّه حقّ قدره.

والمناسبة بين المقسم به والمقسم عليه هي التشبيه، فالسّماء محيطة بالأرض، والنجوم فيها كثيرة نافذة عيونها من ثقوب ستارة اللّيل إلى الأرض، وكلّ نفس محاطة بالعلم الرّبّاني الّذي لا يخفى عليه منها خافية، وعليها أيضا مراقب ثاقب لحجبها، يراقبها في خلواتها، حتّى داخل سرائرها من نيات ومكنونات مضمرات في صدورها، والّتي سوف تكشف يوم الحساب في محكمة العدل الرّبّانيّة.

ودلّت عبارة عَلَيْها على أنّ المراد بكلمة حافِظٌ مراقب أعمال الإنسان ومسجّلها، إعدادا للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، إذ هي القضيّة الّتي جيء بالقسم لتأكيدها، وإن كانت كلمة حافِظٌ صالحة للدّلالة على معنى حفظ الإنسان من المخاطر والمؤذيات، إلّا ما فيه من اللّه عزّ وجلّ قضاء وقدر، غير أنّ هذا المعنى يناسبه عبارة:"لها"لا عبارة:

عَلَيْها.

إِنْ كُلُّ نَفْسٍ: أي: ما كلّ نفس"إن"حرف نفي، مثل"ما".

لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ: لَمَّا أداة استثناء بمعنى"إلّا".

والنفي والاستثناء يفيد الحصر والقصر، وهو من قصر الموصوف على الصفة، وهو هنا قصر إضافيّ، لأنّ المقصودين بالخطاب منكر ووجود مراقبة دائمة لأعمال الناس الظاهرة والباطنة، أو الشّاكّون فيها، فجاء القصر لردّ توهّمهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت