معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 261
والمناسبة هنا هي تشبيه العلم الرّبّاني الذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض، بالسّماء المحيطة بالأرض، وتشبيه الرّقباء من الملائكة بالنّجوم الثواقب.
الأسلوب القرآني في تجزئة العناصر الفكريّة للموضوع الواحد وتوزيعها في دروس التنزيل:
المتدبّر المتأنّي المتتبّع للموضوعات القرآنيّة يلاحظ أنّ الموضوع القرآني الواحد، ذا العناصر والأجزاء المتعدّدة، لا يأتي القرآن بكلّ عناصره وأجزائه في درس واحد من دروس التنزيل، بل يلاحظ أنّ هذه العناصر والأجزاء المتعدّدة، مفصّلة وموزعة في دروس متعدّدة، ضمن عدد من سور القرآن غالبا، وتأتي على مراحل في نجوم التنزيل، وما يأتي من هذه العناصر في درس من دروس التنزيل يأتي مقترنا ببعض الحجج الّتي من شأنها أن تقنع طالب الحق، إذا كانت القضيّة ممّا يمكن إثباته عن طريق العقل أو شواهد الحسّ.
أمّا إذا كانت القضيّة من الأمور الغيبيّة الخبريّة الّتي ليس لها حجج عقليّة مباشرة، فيأتي الإخبار بها مقترنا بالمؤكّدات الّتي تعارف الناس على تأكيد أخبارهم بها، وأعلاها القسم، وأحكم الأقسام ما له صلة بكمال المقسم صاحب الخبر، وله مناسبة تصله بالمقسم عليه، كالقسم الذي تدبّرناه في هذا الدرس من دروس سورة (الطارق) .
وهذا الأسلوب القرآنيّ الذي نلاحظه من تتبّع دروس التنزيل وفق ترتيب النّزول، يعلّمنا منهجا تربويّا وتعليميّا ملائما للطبائع البشريّة. ويدلّنا ضمنا على أنّه هو المنهج الأحكم والأقوم، إذ اختاره اللّه لنفسه في تعليمه عناصر دينه الذي اصطفاه للناس، وفي تربيته لمتلقّي هذه الدّروس، ومعالجته أصنافهم المختلفة، بالإقناع الذي يتتبّع الأجزاء والعناصر الفكريّة،