معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 267
أمّا كون الماء الدافق يخرج من بين الصّلب والترائب، فهو من الخفايا العلميّة الّتي جعلها اللّه عزّ وجلّ من الكنوز القرآنيّة المدّخرة، لتكون إعجازا علميّا فيه، يكتشف حين يتوصّل الباحثون العلميّون إلى حقيقته التكوينيّة في الواقع.
وقد وقع كثير من المفسّرين الأقدمين في الخطأ لدى تفسير هذه العبارة، فقالوا: من صلب الرّجل وترائب المرأة، إذ لم تكن الحقيقة العلميّة معلومة لهم، حتّى يفسّروا النّصّ بها، وإن كان المنهج العملي يقضي بأن نقول فيما نجهل حقيقته: اللّه أعلم بمراده. وغاية ما يمكن قوله فيما نجهل حقيقته طرح الاحتمالات الّتي يمكن أن يدلّ عليها النّصّ دون جزم بواحد منها، وترك التّحديد لما تثبته الحقائق العلميّة الّتي تكتشف بالوسائل الإنسانية.
فاللّه عزّ وجلّ قد جعل في كتابه كنوزا إعجازيّة ادّخرها للعصور المستقبلة الّتي تأتي بعد عصر التنزيل، وهي تكتشف تباعا مع تقدّم المعارف الإنسانيّة، التي يلهم اللّه الناس البحث عنها، والوصول إلى معرفة حقيقتها، ولو كانوا من الكافرين به.
وهذا من البيان الرّبّانيّ الذي ذكره اللّه لرسوله في قوله في سورة (القيامة/ 75 مصحف/ 31 نزول) :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19) .
فدلّ هذا النّصّ على أنّ اللّه عزّ وجلّ تكفّل ببيان خفايا القرآن العلميّة على التراخي، الّذي دلّ عليه حرف العطف ثُمَّ.
أمّا مقرّرات البحث العلميّ حول كون الماء الدافق، وهو منيّ الذكر، يخرج من بين الصّلب والترائب، فلا أريد أن أتطفّل على ما ليس لي فيه