فهرس الكتاب

الصفحة 1628 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 271

الوجه الأوّل: أنّ الخالق الذي قدر على خلق الإنسان المكتمل في أحسن تقويم، من ماء دافق يخرج من بين الصّلب والترائب، قادر على إعادته إلى الحياة بعد إماتته وإفناء جسده، كيف يشاء وعلى ما يشاء، وفي أيّ زمن يشاء، وفي أيّ مكان يشاء، فخريطة بنائه معلومة وموجودة لديه، ونواته محفوظة، وفيها كلّ صفاته الجسدية والنفسيّة، وفيها سجلّ حياته منذ نشأته حتّى مماته.

إنّ هذه الحجّة حجّة برهانيّة دافعة لكلّ توهّمات السّفهاء، ناقصي العقول، الّذين تغلبهم أهواؤهم وشهواتهم، فتطغى على مراكز التّفكير السليم لديهم، وعلى موازين العقل الصحيح الذي جعله اللّه في فطرتهم، فتجعلهم يستبعدون الإعادة إلى الحياة بعد الموت والفناء، على الرّغم من مشاهداتهم المتكرّرات لخلق الإنسان من ماء دافق.

الوجه الثاني: أنّ من أخبر بحقيقة علميّة، وهي هنا كون الماء الدافق يخرج من بين الصّلب والترائب، على ما سبق تحليله، وهذه الحقيقة لم تعرف للباحثين العلميّين إلّا بعد نزول الخبر بها بما يزيد على ثلاثة عشر قرنا، لا بدّ أن يكون صادقا حتما في كلّ ما أخبر به من أخبار عمّا مضى وعمّا سيأتي، ومن الأخبار خبر البعث إلى الحياة بعد الموت والفناء، وأخبار يوم الدّين المعدّ للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، وما في الدار الآخرة من مراتب ودرجات جنّات النّعيم، ومنازل ودركات الجحيم.

إنّه جلّ جلاله واضع خطّة التكوين، ومقدّر مقادير كلّ شيء، والقادر على خلق ما يشاء، وهو العليم الحكيم، وهو المخبر جلّ جلاله بما قدّره وقضاه، وسوف يخلقه في الأجل المحدّد له.

وهذا الوجه يفهم ضمنا وباللّزوم الذهني، من الرّبط بين الخبر، والأمر بالنظر في قضيّة أخرى خبريّة هي من دقائق الإعجاز العلميّ في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت