معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 283
والغرض من هذا البيان طمأنة الرّسول والذين آمنوا به، بأنّ اللّه وليّهم وناصرهم ومحبط مكايد أعدائهم، وإلقاء الوهن والضّعف في قلوب أئمّة المشركين وأنصارهم وجنودهم، إذ لا بدّ أن يؤثّر في أعماق قلوبهم أنّ اللّه خاذلهم، ومحبط مكايدهم، نظرا إلى أنّ كفرهم كفر عناديّ جحوديّ، وليس كفر من يؤمن بأنّه على حقّ، فقد علموا بأنّهم على باطل، ولكنّهم مصرّون على باطلهم اتّباعا لأهوائهم وشهواتهم، وإيثارا للحياة الدنيا وما فيها.
فهم إذن يدركون من هذه العبارة معنى التّهديد والوعيد بأنّهم مغلوبون.
ودلّ قول اللّه عزّ وجل: وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) في مقابل: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) على أنّه جلّت حكمته يعامل عباده في حياة الابتلاء هذه التي يعيشونها ضمن قانون قدراتهم الممنوحات لهم في الحياة الدّنيا، ولا يعاملهم بمقتضى قدرته الكليّة.
إنّ قدرة اللّه الكليّة، لا تحتاج منه تبارك وتعالى أن يكيد كيدا كبيرا، ضدّ كيد أعداء رسوله ودينه وأوليائه المؤمنين، إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له:"كن"فهو"يكون"بأمر التكوين، ولو كان أمر التكوين موجّها لخلق السّماوات والأرض، أو لإزالتهما من الوجود.
لكنّ للّه عزّ وجلّ سننا في كونه يعامل عباده بمقتضاها، وهم في حياة الابتلاء.
فيوهن كيد الكافرين ويحبطه بمقتضاها، ويكيد لصالح أوليائه وأنصاره وأحبابه بمقتضاها، وينصرهم بمقتضاها، ولا يتدخّل بالخوارق العظمى إلّا نادرا، وبقدر محدود.
وحين أيّد اللّه المؤمنين في غزوة بدر بألاف من الملائكة، أبان جلّ جلاله أنّه لم يجعل ذلك إلّا بشرى لهم، ولتطمئنّ قلوبهم به، وليقطع طرفا