معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 337
عن ربّه بلاغ حقّ وصدق، ولكنّهم كذّبوا رسول اللّه محمّدا، وكذّبوا ببلاغاته عن ربّه، فلم يؤمنوا بالقرآن، ورفضوا اتّباع الرّسول فيما جاءهم به.
وإذ رفضوا اتّباع الرّسول على صراط الحقّ والخير والهدى والفضيلة، لم يكن لهم إلّا أن يتّبعوا أهواءهم، لأنّهم ما داموا أحياء في هذه الحياة الدينا فلا بدّ أن يتحرّكوا في اتّجاه ما، فإذ لم يتحرّكوا متّبعين الرّسول على صراط اللّه، فلا بدّ أن يتحرّكوا متّبعين أهواءهم، أمّا السّكون بلا حركة فهي طبيعة الموتى.
هذا ما دلّ عليه قوله تعالى؛ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ. أي: ولو صدّقوا بأنّ محمدا رسول اللّه، وصدّقوا بما جاءهم به عن ربّه، لاتّبعوه، وسلكوا صراط اللّه المستقيم.
واتّباع الأهواء يشمل اتّباعها في القضايا الفكريّة، واتباعها في القضايا الاعتقاديّة، واتّباعها في القضايا النفسيّة، واتباعها في القضايا العاطفيّة، واتّباعها في القضايا السّلوكية في مختلف شؤون الحياة.
وبما أنّ أهواء النّاس لا تتطابق غالبا، فلا بدّ أن يكون متّبعو أهوائهم في أمر مريج مختلط من أمور غير متجانسة، ولا متوافقة، كما قال تعالى فيما سبق أن أنزل في سورة (ق/ 50 مصحف/ 34 نزول) :
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) .
فتكامل النّصّان في الدّلالة، والمعنى: وكذّبوا بالحقّ لما جاءهم واتّبعوا أهواءهم فهم في أمر مريج.
قول اللّه تعالى: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ.
مستقرّ: أي: ثابت متمكّن، لا شيء يغيّره عن ثباته، ولا شيء يزلزله، يقال لغة: استقرّ الشيء، أي: ثبت وتمكّن. واستقرّ بالمكان، أي: