معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 338
تمكّن فيه وثبت. مستقرّ: اسم فاعل من استقر بمعنى ثبت وتمكن وقرّ في مكانه.
فما المراد بقوله تعالى: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ.
أقول: إذا خرجت شرذمة قليلة من الشعب على نظام الدّولة القويّة، وجحدت سلطتها، واتّبعت أهواءها، وقد رتّبت الدولة لمحاسبتها ومعاقبتها يوما محدّدا لم يحن حينه بعد، وتركت لها فرصة التّوبة وإصلاح شؤونها وطاعة الدّولة ونظامها.
وهذه الشّرذمة في خروجها على الدولة ونظامها لا تؤثّر على شيء من أمور الدولة المستقرّة الثابتة، ولا تضرّ بأعمالها إلّا أنفسها.
ولإشعار هذه الشرذمة المتمرّدة بعدم تأثير تمرّدها على شيء من أنظمة الدّولة وأمورها الثابتة المستقرّة، قال الرّئيس: إنّ شرذمة جحدت دولتنا، وكذّبت مبعوثينا، وبلاغتنا، واتّبعت أهواءها، فلتعلم أنّ دولتنا وأنظمتنا وكلّ أمورنا مستقرّة محميّة، لا يؤثّر على شيء منها أيّ خارج على نظامنا، ومتمرّد على طاعتنا، وحين يأتي وقت الحساب والعقاب فإنّنا نأتي بكلّ خارج منهم مكبّلا بالحديد مسوقا، ليلقى جزاءه، وهو لا يستطيع أن يفلت منّا.
أَليس هذا الكلام مناظرا لقول اللّه عزّ وجلّ بشأن الكافرين المعاندين وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) ؟؟
إننا نفهم من هذا القول، أنّ تكذيبهم واتّباعهم لأهوائهم لا يغيّر من أنظمة الكون وقوانينه المستقرّة الثابتة شيئا، ولا يخرج شيئا من مستقرّات أمور اللّه عن استقراره، فلن يضرّوا اللّه شيئا.
إنهم لا يضرّون إلّا أنفسهم، فكلّ أمر للّه في كونه ثابت مستقر، لا يقلقله ولا يغيّره تكذيب المكذّبين، ولا تمرّد المتمرّدين. ولا اتباعهم أهواءهم، مهما اجتمعوا لذلك وحشدوا كلّ قواهم.