معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 342
والفعل في الآية هنا على التعدية.
مِنَ الْأَنْباءِ: الأنباء جمع"النّبأ"وهو الخبر، واشتقاقه من نبأ الشّيء، إذا ارتفع وظهر، ففي الأنباء من عموم الأخبار ما يلفت الأنظار إليها، لارتفاع مضامينها، ولأهميّتها، وكذلك أخبار الأوّلين التي جاءت في القرآن، فهي ذوات بروز وأهمّيّة، لما فيها من عبر وعظات جليلات.
ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ: أي: ما فيه ازدجار، على أنّ"مزدجرا"مصدر ميمي، وهذا أحسن الوجوه، وأبعدها عن التكلّف، والمعنى ما فيه كفّ وامتناع، فعله"ازتجر"على وزن"افتعل"مطاوع فعل:"زجره"وهو مثل"انزجر"في المعنى، تقول: زجرته فانزجر، وازتجر، وتقلب تاء"افتعل"دالا، بعد الزاي، والدّال، والذّال، وبهذا صار فعل"ازتجر"بصيغة"ازدجر"والمصدر الميمي منه مزدجر.
الزّجر: الكفّ، والمنع، والنهي، والنّهر.
والازدجار: الامتناع والامتثال للزواجر.
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ: بدل من"ما"في عبارة: ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ.
أي: إيراد أنباء الأوّلين التي فيها مزدجر لمن يتلقّاها بوعي وعقل ورشد، هو من أساليب الدّعوة والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحكيمة جدّا، فهي في الحقيقة حكمة بالغة غاية ما يمكن اتخاذه من أساليب حكيمة، تدور على محوري الرّغب والرّهب في النفوس، لما فيها من إثارة الخوف في عمق النفس إثارة تجعل العاقل الرّشيد يزدجر.
فمن كان لديه استعداد ما للتأثّر بما يحرّك في النفس مركز الخوف لديها، وسمع أنباء الأوّلين، وما جرى لهم من عقوبات ربّانيّة أهلكتهم إهلاكا عامّا، لاقوا فيه عذابا أليما، بسبب كبرهم وعنادهم وكفرهم وطغيانهم، فلا بدّ أن يزدجر عن كفره وطغيانه، ويقلع عن عناده وكبره.