فهرس الكتاب

الصفحة 1699 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 343

الحكمة في الأمور: وضع الأشياء في مواضعها، عملا، أو فكرا، أو معرفة، أو اعتقادا، أو غير ذلك من صور السّلوك الإرادي.

وتكون الحكمة باختيار أفضل الأشياء وأتقنها وأحسنها من كلّ ذلك، لما تختار له.

واللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه، أحكم الحاكمين، وأحكم المختارين من البدائل الصالحة للاختيار، وحكمته بالغة الغاية دواما في كلّ شيء.

والحكيم: هو الّذي يضع الأشياء في مواضعها، ويختار أفضل الأشياء وأتقنها وأحسنها في الأمور المختلفة، لما يعطي أحسن نتيجة.

والسّبب في كون عرض قصص الأوّلين، للاتّعاظ والاعتبار بما جرى لهم بمقتضى سنن اللّه في عباده، حكمة تربويّة بالغة، أنّ معظم الناس يضعف عندهم تأثير الإقناع الفكريّ وحده، ويضعف عندهم تأثير الترغيب والترهيب عن طريق الكلمة والوعد والوعيد فقط، حتّى إذا شاهدوا العواقب في غيرهم كانت هذه المشاهدة للعواقب بالغة في التأثير بهم غاية ما يمكن أن يقدّمه توجيه تربويّ، وليس فوقه من وسيلة إلّا إنزال العقاب الفعليّ، أو تقديم الثواب الفعليّ، لمن يراد إقناعه.

لكنّ هذا يتنافى مع حكمة الابتلاء لتحقيق الحساب، وفصل القضاء، والجزاء، بعد انتهاء ظروفه كلّها، وهو غير داخل في الخطّة أصلا.

فثبت أنّ عرض قصص المهلكين من أهل القرون الأولى القائمة شواهدها في آثار ديارهم حكمة بالغة حقّا، أي: بالغة غاية ما يمكن اتّخاذه من وسائل إقناعيّة تربويّة ذات تأثير في النّفوس المستعدّة للتأثّر بالمخيفات.

أمّا العقوبات الجزئيّة التّربويّة الّتي ينزلها اللّه بالعصاة المعاندين، دون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت