فهرس الكتاب

الصفحة 1702 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 346

فالإعراض وسط بين المواجهة والتولّي.

وإذ انكشف أنّ المعنيّين من كبراء كفّار قريش قد وصلوا إلى حالة ميؤوس منها، إبّان تنزيل السّورة، كان من الحكمة أن يأمر اللّه رسوله بأن يتولّى عنهم، لينصرف إلى غيرهم، ويوجّه جهده واجتهاده لآخرين يرجى أن يوجد فيهم من يستجيب.

إنّ حال هؤلاء قد تصلّب إلى الحدّ الّذي صاروا فيه قوما ميؤوسا من استجابتهم لدعوة الحقّ، فقد ظهر بالامتحان والتجربة، أنّهم كفرة معاندون مكابرون مصرّون على باطلهم، مهما ظهر لهم أنّ الحقّ هو ما أنت عليه يا محمّد، لا ما هم عليه، فمن الخير لك، ومن توفير الجهد، وعدم ضياع الوقت سدى، في متابعة اجتذابهم إلى الإيمان والإسلام، أن تتولّى عنهم مدبرا، وتنصرف إلى مجاهدة غيرهم ممّن لم ينكشف بعد من أمرهم ما انكشف من أمر هؤلاء.

وهذا التولّي هو من الحكمة في سلوك الدّاعي إلى سبيل ربّه، بالنسبة إلى من أدبر وانصرف مستغرقا في ضلال بعيد، ومعاندا مكابرا.

ولمّا لم يكن هؤلاء قد وصلوا إلى حالة ميؤوس منها إبّان نزول سورة النجم/ 53 مصحف/ 23 نزول) أمر اللّه رسوله بالإعراض فقط عمّن تولّى، فقال اللّه له فيها:

فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا (29) .

أي: أعط عارضك فقط لمن أعطاك ظهره وتولّى، أمّا من عاند وكابر وأظهر عداءه ومشاقّته، ووصل إلى حالة تدبير المكايد، فتولّ عنه.

ومن هذا التوجيه القرآنيّ: نستفيد أنّ موقف الداعي إلى سبيل ربّه ينبغي أن يكون مع غير المستجيبين لدعوته موقفا متوسّطا لا موقفا مكافئا، يقابل فيه الموقف بنظيره تماما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت