معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 366
كعيون الغرابيل، فانهمرت المياه على مقاديرها، منصبّة كأنّها شلّالات موزّعات توزيعا منتظما على مواقعها من الأرض.
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 3 ... 366
ّها لصورة تمثيليّة رائعة، تقدّم بصدق فنّي ما يشعر به مشاهد المشهد بعيدا عن أن يكون في داخله.
القضيّة الثانية: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجل: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا: فجّر الشّيء: أي: جعل الشيء ينبعث من الباطن إلى الظاهر بقوّة وشدّة.
فتفجير عيون الماء في الأرض، جعل الماء يخرج من ثقوب الأرض بقوّة وشدّة، فيدفع كلّ تال منه السّابق له دفعا قويّا، ما دامت الدّفقات المائيّة تخرج من الثقوب والشقوق بتتابع.
والتعميم في إسناد التفجير إلى كلّ الأرض، يوحي في دلالته الأولى، بأنّ سطح الأرض كلّه قد تفجّر ماء، وجاء لفظ"عيونا"عقبه تمييزا، فحدّد الصّورة الّتي تمّ تفجير الأرض على وفقها، وهي صورة عيون مائيّة متفجّرة موزّعة على كلّ مساحة الأرض، كعيون الغربال، والغرض الدّلالة على كثرة العيون المتفجّرة، الّتي يتخيّل معها الناظر أنّ الأرض كلّها تحوّلت عيونا مائيّة متلاصقة تتفجّر.
ولا أحبّ هنا متابعة النحويّين في قولهم: أي: وفجرّنا عيون الأرض، فقولهم هذا يلغي دلالة الصّورة البلاغيّة الأدبيّة الرّائعة، ويجعل التعبير صيغة من صيغ تحويل المفعول به إلى تمييز. مع أنّ العبارة، تدلّ على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد جعل كلّ موقع في الأرض عينا تتفجرّ ماء متدفّقا، لا أنّه جعل العيون الّتي فيها تتفجّر وتتدفّق، وفرق كبير بين الدّلالتين، وهذا الفرق يدركه أصحاب الحسّ الأدبيّ الرفيع.
ولا مانع من فهم الجملة وفق أسلوب التضمين، الذي يكون تأويلها معه كما يلي: وفجّرنا الأرض على امتداد سطوحها، فجعلناها عيونا مائيّة متدفّقة.