معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 367
ولا مانع أيضا من اعتبار"عيونا"نائبا مناب مفعول مطلق مبيّن لنوعه، والتقدير: وفجّرنا الأرض تفجيرا عيونا، أي: فنوع التفجير كان ببعث العيون المتدفّقة، ونظيره: خطت القماش سراويل، وقطّعت اللّحم إربا إربا.
ولا شكّ أنّ إبقاء النّصّ موحيا بدلالته الأدبيّة البلاغيّة الرائعة خير من التأويل الذي يلغي منه هذه الدلالة.
القضيّة الثالثة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجل: فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) : أي: فالتقى دون تراخ في الزمن الماءان: الماء المنهمر من السّماء، والماء المتفجّر عيونا من الأرض، على أمر من أمور اللّه الحكيمة، قد قضي بقضاء اللّه، بعد أن قدر بتقديره لكل عناصره وصفاته.
وجاء الاستغناء بلفظ الأمر عن القضاء، لأنّ اللّه عزّ وجلّ لا يأمر بأمر إيجاد أو إعدام إلّا إذا قضاه وبتّ القرار به، فالأمر بقول:"كن"من العزيز القهار، تابع للقضاء، وقضاء اللّه جلّ جلاله مسبوق بتقديره لكلّ صغير وكبير ممّا قضاه وفق حكمته وعلمه سبحانه.
فاقتضت الحكمة البيانيّة الإعلام بأنّه قد قدر، وجاء ختم الجملة بعبارة قَدْ قُدِرَ مناظرا لرؤوس الآيات في هذه الفقرة، وبفنّيّة رائعة، فيها إيجاز وإبداع، ووقع محبّب على الأسماع.
وجاء فعل قُدِرَ مبنيّا لما لم يسمّ فاعله إيجازا، للعلم به بداهة، إذ لا أحد يقدّر مثل هذه المقادير إلّا اللّه عزّ وجلّ. وجاء مؤكّدا بلفظ قَدْ الدّالّ على تحقق ثبوت الخبر الذي تضمّنه البيان، لرفع توهّم أنّ ما حدث ظاهرة من الظواهر الكونيّة الطبيعيّة، كما يزعم الدهريّون الطبيعيون.
أي: نؤكّد لكم أنّ انهمار الماء من السّماء، وتفجّره من الأرض عيونا أمر قد قدر بالتقدير الدقيق الحكيم الشّامل لكلّ الدّقائق والتفاصيل، قبل الأمر