معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 181
الإلماح إلى الوعيد المعجّل في الحياة الدنيا:
أمّا الوعيد الضّمنيّ بالعقاب المعجّل للمكذّبين فقد جاء في قول اللّه عزّ وجل بعد ما سبق:
إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16) :
في هاتين الآيتين توجّه الخطاب للمكذّبين، ليقدّم لهم مثلا من إهلاك اللّه للمكذّبين الأوّلين، والمخاطبون الأوّلون في هذا كفّار أهل مكة إبّان التنزيل، وبعدهم يعمّ كلّ المكذبين الكافرين.
أي: إذا كان الوعيد بعذاب يوم الدّين لا يثير فيكم الخوف، لأنّه أمر من أمور الغيب الخبريّة عن المستقبل، وأنتم غير مؤمنين بهذا المستقبل البعيد الذي سوف يكون بعد تغيير نظام الحياة الدنيا كلّها، فإنّ لديكم أمثالا من أحداث ووقائع الحياة الدنيا، من الخير لكم والعقل والرّشد أن تضعوها في حسابكم وتقديراتكم للأمور، وأنتم تعلمون كثيرا من هذه الأحداث الّتي تمّ بها إهلاك أقوام من أهل القرون الأولى الذين كذّبوا رسل ربّهم.
ومن هؤلاء المكذّبين المهلكين فرعون مصر وأنصاره وجنوده، فمن الخير والرّشد والعقل لكم أن تتّعظوا بهم، فقال تعالى:
* إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا هو محمّد بن عبد اللّه، وقد جاء التعبير بضمير المتكلّم العظيم: (إنا) - (ارسلنا) مراعاة لمقام الرّبوبيّة العظيمة الجليلة، واستثارة للرّهبة والمهابة، وتذكيرا بسلطان الرّبّ، خالق السّماوات والأرض، والمهيمن على كلّ شيء بربوبيّته، القدير على إهلاك المكذبين وكلّ جبار مجرم.
الرّسول: هو النبي المكلف من قبل اللّه أن يبلّغ الموضوعين موضع الامتحان ما أمره اللّه بأن يبلّغهم إيّاه.