فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 382
وثمود هم قوم النبي الرسول صالح عليه السّلام، وكانوا يسكنون الحجر، وهو بين الحجاز وتبوك، وتعرف مساكنهم بمدائن صالح، وآثارهم فيها ظاهرة حتى الآن، يزورها محبّو زيارة الآثار.
ولفظ"ثمود"اسم جمع لجماعة من الناس، فيجوز في العربية تذكيره وتأنيثه، كنظرائه، وقد كثر في القرآن تأنيثه، وجاء مصروفا وممنوعا من الصرف.
بِالنُّذُرِ النّذر هنا جمع"النذير"الذي هو اسم مصدر فعل"أنذر ينذر إنذارا". فالمعنى: كذّبوا بالإنذارات الّتي أنذرهم بها رسولهم صالح عليه السّلام، فهي إذن إنذارات متعدّدات أنذرهم إيّاها عاجلة في الحياة الدّنيا، وآجلة إلى يوم الدين.
ولا يصحّ هنا حمل النّذر على الرّسل المنذرين، لأنّ الاستقراء للاستعمال القرآنيّ دلّ على أنّ التكذيب إذا كان لمبلّغ الخبر أو البيان تعدّى الفعل إليه بنفسه دون وساطة حرف جرّ، أمّا إذا كان للخبر أو للبيان نفسه، فإنّه يتعدّى إليه بحرف الباء. مثل: كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ- كَذَّبُوا بِآياتِنا.*
ولمّا كانت الإنذارات لا توجّه إلّا بعد الدّعوة إلى الإيمان وأركانه، والدّعوة إلى الإسلام والطّاعة، كان ذكر النّذر هنا دالّا عن طريق اللّزوم الذهني على أنّهم كذّبوا رسولهم صالحا عليه السّلام، وكذّبوا برسالته، وكذّبوا بما جاءهم به عن ربّه، وأخيرا كذّبوا بإنذاراته.
فكان من الإيجاز البديع الاقتصار على بيان تكذيبهم بإنذارات رسولهم، لما فيه من دلالة عقليّة على تكذيبهم بما تقتضي دعوات المرسلين بيانه قبل إخبارهم بالإنذارات، وإذ كذّبوا بإنذارات الرّسول فقد كذّبوا الرّسول لزوما، وكذّبوا بكلّ ما جاءهم به عن ربّه.
* قول اللّه تعالى: فَقالُوا أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) .