فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 385
إنكارهم الشّديد أن يكون هذا الواحد منهم، وهو صالح عليه السّلام، مختارا اختيارا خاصّا من بينهم من قبل اللّه عزّ وجلّ، للنّبوّة والرّسالة، ولإلقاء الذّكر عليه، وهو الكتاب الرّبّانيّ، المطلوب منهم أن يتلقّوه ويتفهّموا دلالاته، ويحفظوه، ويذكروا أوامره ونواهيه ووصاياه عند المناسبات الداعيات، ليعملوا بها.
ولا يخفى على المتدبّر أنّه قد حصل الاستغناء ببيان إلقاء الذّكر عليه، عن التصريح بالتعجّب من اختياره للنّبوّة والرّسالة، نظرا إلى أنّه لا يلقى الذّكر الرّبّانيّ عليه، إلّا بعد اصطفائه بالنّبوّة والرّسالة.
وهذا الاستفهام التعجّبيّ الإنكاريّ من قادة ثمود، الدّالّ على معنى إنكار نبوّته ورسالته، يتضمّن إشعارا بأنّ غيره من كبراء قومه أحقّ منه بذلك، فليس من المعقول أن يختاره اللّه بالخصوص من بين من هم أحقّ بذلك من قومه، في زعمهم ومفاهيمهم الطّبقيّة الاستكباريّة.
إنّ تصوّراتهم الباطلات في حدود مفهوماتهم المرتبطات باعتبارات دنيوية، تجعل حقّ الامتياز في القوم لأهل المال، أو أصحاب العزوة والجنود والأنصار، أو أرباب الأنساب والأمجاد والمفاخر المتوارثة في الأعراق وفي الأسر، وهذه كلّها تصوّرات ومفهومات باطلات لا وزن لها في ميزان الحقيقة.
إنّ اللّه عزّ وجلّ لا ينظر إلى هذه الاعتبارات الّتي لا ترفع في الحقيقة قيمة الإنسان عنده، إنّما ينظر جلّ جلاله إلى قيم الفضائل الذّاتيّة، والفضائل الإراديّة في التزام الحقّ وسلوك سبيل الهدى والخير والكمال، في الإنسان الذي يصطفيه لنبوّته ورسالته، وهو جلّ جلاله أعلم بعباده وما في قلوبهم مما يؤهلهم للاصطفاء، أو لا يؤهّلهم له، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة الأنعام/ 6 مصحف/ 55 نزول):