معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 398
ولمّا صار اختيارهم بإراداتهم سبيل الهدى أمرا ميؤوسا منه، فلا أحد منهم لديه استعداد لأن يستجيب لدعوته، وعلم اللّه ذلك فيهم، قضى جلّت حكمته وعظم سلطانه أن يهلكهم إهلاكا جماعيّا عامّا.
فبعث اللّه من رسله من الملائكة من يعذّبهم ويهلكهم ويقلب بلادهم عاليها سافلها. وأمرهم بأن يمرّوا بإبراهيم عليه السّلام مبشرين إيّاه بإسحاق من زوجته العاقر سارة، ومبيّنين له أن اللّه سيصلحها للحمل والولادة، ومبلّغين إياه بما كلّفهم اللّه إياه من إهلاك قوم لوط، باعتباره شيخ النبوّة والرّسالة في زمانه، وباعتبار لوط موجها بقيادته إلى أهل سدوم. وحاول إبراهيم عليه السّلام أن يسأل ربّه إمهالهم، فقالوا له: يا إبراهيم أعرض عن هذا إنّه قد جاء أمر ربّك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود.
وكان الملائكة قد جاءوا إبراهيم بصورة ضيوف، ولمّا لم يمدّوا أيديهم إلى ما أعدّ لهم من طعام، أوجس منهم خيفة، عندئذ كشفوا له عن حقيقة أمرهم، وبشّروه وبلّغوا.
ثم ذهبوا إلى لوط عليه السّلام في منزله في سدوم، فدخلوا عليه، وكانوا على صور شباب مرد حسان، فرحّب لوط عليه السّلام بهم، وعلم كبراء قومه بأنّ لوطا استضاف شبابا مردا حسانا، فأقبلوا إليه وقالوا له: ألم ننهك عن العالمين.
وأرادوا الدّخول عنوة إلى داره لاغتصاب ضيوفه، وممارسة الفاحشة بهم، فحاول منعهم فلم يستجيبوا له.
عندئذ قال له ضيوفه: إنّا رسل ربّك أرسلنا لإهلاك قومك ورموا في وجوه المحتشدين على باب داره ما أحرق عيونهم، وطمس أبصارهم، فانكفؤوا عن داره يذوقون عذاب حرق العيون والوجوه.
وقال الملائكة للوط عليه السّلام إنّ إهلاك القوم العامّ سيكون عند