معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 184
المراد من اليوم ما يحصل فيه من هول عظيم وعذاب أليم، أطلق اليوم وأريد به ما يحصل فيه على طريقة المجاز المرسل، بإطلاق الزّمن على ما يحصل فيه، أو بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي:
فكيف تتقون إن كفرتم عذاب يوم يجعل الولدان شيبا.
وجاء في النصّ استعمال"إن"الشرطيّة التي تستعمل في الأمر المشكوك فيه، مراعاة لحال المدعوّين الذين ما زالوا في أوائل الدعوة إلى الإسلام، وهؤلاء لا يناسب حالهم استعمال حرف الشرط"إذا"الّذي يستعمل غالبا فيما هو محقّق الوقوع أو راجح الوقوع، على أنّ كلّ مدعوّ توجّه له الدّعوة ولو أصرّ على إعراضه وعدم استجابته لا يليق في أسلوب دعوته إشعاره بأنّ كفره هو المحقّق أو الراجح، بل مثل هذا يعرض الداعي عنه.
وعبارة: يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا في وصف يوم الدّين الذي يحذّر النّصّ من عذابه الشديد المهول، قد جاءت كناية بديعة عمّا يحصل فيه من أهوال ومخيفات عظيمات.
إنّ من المعروف أنّ الخوف الشديد قد يجعل شعر الشّابّ أو الكهل الذي لم يشب بعد مشتعلا شيبا من هول الأحداث المخيفة، ولم يعرف أنّ الولدان تشيب مهما أحاطت بها الأحداث المرعبة المخيفة المهولة، لأنّ إدراكها للخوف لا يصل إلى التأثير على المراكز الّتي تمدّ شعورها بأصباغها.
لكن إذا كان الهول أعظم من كلّ الأهوال الّتي تحدث في الدنيا، فإنّها تكون ذات تأثير حينئذ حتّى على الولدان فيشيبون منها. وهذه الكناية من الكنايات البديعة المبتكرة في القرآن الدّالّة على شدّة أهوال يوم الدين.
وأضاف النّصّ بيان حدث من أحداث يوم الدّين، وهذا الحدث يظهر