فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 451
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (94) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (97) .
لقد خاطب اللّه رسوله بهذا النّصّ بحسب الظّاهر، باعتباره أوّل المكلّفين المأمورين بالإيمان وبالإسلام لما أنزل اللّه، والغرض أن يسمع هذا الخطاب الموجّه للرّسول غيره من المكلّفين، ليعلم أنّ الرسول مكلّف أن يكون أوّل المؤمنين المسلمين، وأنّه غير مستثنى من قانون العقاب والجزاء، لو عصى أو كذّب، لكنّه لا يفعل ذلك حتما، لأنّ اللّه لم يصطفه لرسالته الخاتمة إلّا عالما بما يتحلّى به من كمال بشريّ.
ويعتبر هذا الخطاب من أروع الأساليب التربويّة وأحكمها للآخرين، إذ يدركون به أنّ الرّسول مع ارتفاع منزلته عند ربّه، وعلوّ مقامه وشأنه، لم يرفع اللّه عنه موادّ التكاليف الموجّهة لغيره، ولا قانون العقاب لو كذّب أو شكّ أو عصى.
فليعرف كلّ مكلّف موقعه بين يدي ربّه جلّ جلاله، وأمام تكاليف الدّين الموجّهة لجميع المكلّفين على سواء.
إنّ رسول اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم لا يمكن أن يكون من الشاكّين، ولا يمكن أن يكون من الّذين كذّبوا بآيات اللّه، لكن إذا سمع الشّاكون والمكذّبون هذا الخطاب للرسول أيقنوا أنّ الأمر شامل وجدّ.
فإذا كان الرّسول نفسه صلّى اللّه عليه وسلّم مع ارتفاع منزلته عند ربّه وعلوّ مقامه، غير معفيّ من قضايا الإيمان والإسلام، فما يكون شأن سائر الناس؟.
إنّه أسلوب يعطي الإقناع، ويلقي الخوف في قلوب الشاكّين والمكذبين.