معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 189
* وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ..:
جاءت هذه الفقرة معترضة في النّصّ لبيان اختلاف أزمنة أنصاف اللّيالي وأثلاثها، ولترسيخ الإيمان بأنّ كلّ الظاهرات الكونيّة خاضعة لقضاء اللّه وقدره وحكمته في تدبير تصاريف الكون، ومنها تقدير اختلاف أزمنة اللّيل والنهار ضمن نظام دقيق جدّا، يتبع دورة الأرض حول نفسها وحول الشمس، في مدار محدّد قضاه اللّه وقدّره.
وأبان اللّه عزّ وجلّ حكمة تخفيف حكم قيام اللّيل عن الرّسول، وعن الطائفة الذين كانوا يقومون مثل قيامه من أصحابه الحريصين على أن يعملوا مثل عمله، فقال تعالى لهم:
* عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ:
أي: علم أنّه لن يتيسّر لكم مستقبلا المحافظة على القيام المطلوب منكم إلزاما وندبا في أوائل السّورة محافظة تستغرق كلّ اللّيالي.
فتاب عليكم: أي: فرجع متفضّلا عليكم بحكم التخفيف.
الإحصاء: استيعاب العناصر المطلوبة في العمل، وأصله استيعاب العدد. ولمّا كانت عناصر الأعمال ذوات أعداد كان إحصاؤها استيعاب تطبيق عناصرها المعدودة.
وأبان اللّه عزّ وجلّ البديل المطلوب المخفّف وهو الاكتفاء لمن شاء بقراءة ما تيسّر من القرآن، فقال اللّه عزّ وجلّ في الآية:
* ... فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ..:
أي: فاقرءوا ما تيسّر لكم قراءته من القرآن، وحمل جمهور المفسّرين والفقهاء هذا على صلاة اللّيل، فالمراد من قراءة ما تيسّر من القرآن قيام اللّيل بصلاة ما فيها، وهذا القيام بالنسبة إلى الرسول واجب، وبالنّسبة إلى