فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 454
والحكمة ترجع إلى جذرين:
الجذر الأوّل: الحكمة في المعرفة، وتكون بمطابقة العلم للواقع، أو لأحسن صورة ممكنة تقترب من مطابقة ما هو الكمال في الشيء.
الجذر الثاني: الحكمة في السّلوك، سواء أكان خلقا، أم عملا فكريّا أو جسديّا، أم تصرّفا في قول، أو إفتاء، أو حكم، أو سياسة، أو إدارة، أو تجارة، أو حرب، أو غير ذلك.
وتكون الحكمة في السّلوك بممارسة الأحسن والأفضل دواما، ممّا توجّه له الحكمة في المعرفة، بحسب الاستطاعة، وضمن حدودها.
* فمن الحكمة في المعرفة معرفة أحسن الوسائل لصيانة الأشياء ممّا يؤذيها أو يتلفها. ومعرفة أحسن الوسائل والخطط الحربيّة لتحقيق النصر والظفر. ومعرفة أحسن العلاج للشفاء من المرض. ومعرفة أحسن الطرق لإصلاح اقتصاد الأمّة وتنمية ثرواتها. ومعرفة وجوه الإنفاق الرابح الجالب للخير العاجل والآجل، ومعرفة وجوه الإنفاق الخاسر الجالب للشرّ والضرّ العاجل والآجل، ومعرفة الأحكام التي هي الأقرب إلى تحقيق كمال العدل والإنصاف. وهكذا بلا حصر.
* والحكمة في السّلوك تكون بتطبيق وممارسة ما تقتضيه الحكمة في المعرفة، كممارسة أحسن الوسائل لصيانة الأشياء مما يؤذيها أو يتلفها، وممارسة أحسن الوسائل والخطط الحربيّة لتحقيق النّصر والظفر، وهكذا إلى سائر الأشياء.
فالحكيم في الطبّ يستخدم أحسن العلاج مما هو متاح له لشفاء مريضه.
وذو المال الحكيم ينفق من ماله في سبيل اللّه ليظفر بالأجر العظيم المضاعف عند ربّه أضعافا كثيرة، ولا ينفق شيئا من ماله في معصية اللّه، وإن جلب له لذّات عاجلات.