فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 487
بنفوسهم وتصوّراتهم لا بدّ أن يصرفهم عن كلّ حقّ وبصيرة سليمة ورشد.
لقد كان الواجب العقليّ على هؤلاء الذين هم في عزّة وشقاق، أن يسارعوا إلى تصديق الرّسول والإيمان به واتّباعه، باعتبار أنّ ما نزل من القرآن قبل إنزال سورة (ص) كاف لإقناعهم بأنّ مبلّغه عن ربّه نبيّ اللّه ورسوله حقا وصدقا، فما فيه من مجد وشرف عظيم معجز، وما فيه من بيان لا يستطيع أن يأتي بمثله بشر منفردين ولا مجتمعين، كاف لأن يكون شاهدا فكريا عقليا، على أنّ محمّدا الذي يبلّغه عن ربّه نبيّ اللّه ورسوله حقّا وصدقا.
وهذا الشاهد الفكريّ العقليّ شاهد برهانيّ لمن تدبّره وتفكّر فيه، واستبصر وجوه إعجازه.
لكنّ الملأ من مشركي قريش أصرّوا على تكذيب الرّسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى نزول سورة (ص) إذ لم يعبؤوا بهذا الشّاهد الفكريّ العقليّ الذي اشتمل عليه القرآن المجيد، ولم يتوجّهوا للاستفادة منه، بل انصرفوا عنه غير مكترثين له، ووصلوا في مواجهة الرسول ودعوته والّذين آمنوا به واتّبعوه إلى طور الشّعور بالاعتزاز بالقوّة الغالبة، القادرة على إيقاف الدّعوة الإسلاميّة، ومنع انتشارها، وطور العداوة والشّقاق، والمواجهة بالقوّة العسكريّة المسلّحة.
هذا ما دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (2) .
فأشار حرف الإضراب"بل"إلى مطويّ لم يصرّح به في اللفظ، وهو أنّ المعنيّين بعبارة: الَّذِينَ كَفَرُوا لم يستفيدوا من إعجاز ما نزل من القرآن، بل لزموا مواقفهم الأولى الّتي أعلنوا فيها تعجّبهم من أن يجيئهم منذر منهم، وأعلنوا فيها أنّ محمّدا ساحر كذّاب، ووصلوا إلى طور المعتزّ بقوته الغالبة، والواقف مواقف المواجهة بالعداوة والمخالفة والشقاق.