فهرس الكتاب

الصفحة 1843 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 488

وتدلّ عبارة: الَّذِينَ كَفَرُوا على أنّ هؤلاء قد كان تكذيبهم للرسول ودعوته ناشئا عن ستر أدلّة الإيمان، وستر شواهد الحقّ الّتي ظهرت لهم، ودفنها، لأنّ أصل الكفر الدّفن والسّتر. والكفر هو جحود الحقّ مع العلم بأنّه حقّ.

* قول اللّه عزّ وجلّ: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (3) .

إنّ الموقف العدائيّ الّذي تطوّرت إليه مواقف أئمة الشّرك والكفر في مكّة، إذ وصلوا إلى حالة من هو في عزّة وشقاق، يلائمه من العلاج تذكيرهم بما كان من اللّه العزيز الحكيم القهّار، من إهلاك أمثالهم ومن كانوا أشدّ منهم قوّة من كفّار القرون الأولى.

فجاءت هذه الآية متضمّنة هذا العلاج الحكيم.

كَمْ هذه"كم"الخبريّة، ومعناها عدد كثير، وهي في محل نصب على أنّها مفعول به مقدّم على عامله، والتقدير: عددا كثيرا من الأمم، أهلكنا من قبلكم.

أَهْلَكْنا أي: إهلاكا جماعيا عقابيا في الحياة الدنيا، وجاء في هذه العبارة استعمال ضمير المتكلّم العظيم، لأنّ موضوع الإهلاك الجماعيّ العقابيّ يلائمه الإشعار بعظمة الرّبوبيّة وسلطانها وجبروتها وقهرها وجليل حكمتها.

أي: عددا كثيرا من كفّار أهل القرون الأولى أهلكناهم من قبل هؤلاء الذين وصلوا إلى طور من هم في عزّة وشقاق، وذلك حينما وصلوا مع رسل ربّهم إلى طور استخدام القوّة المسلّحة لقمعهم واضطهاد الذين آمنوا بهم واتّبعوهم، والتنكيل بهم، بغية إطفاء أنوار الدّعوة الرّبّانيّة بالقوّة، والتخلّص المادّيّ من الرّسل.

وهذه الآية تشعر بأنّ من سنن اللّه الدائمة في الأمم، أن يهلك الأقوام الذين يصلون إلى طور الميؤوس من استجابة فئات منهم حينا فحينا لدعوة رسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت