معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 513
ومع ذلك نجد في توجيه الأنظار للاعتبار والاتعاظ بقصص الأوّلين في القرآن تكاملا في عناصرها، لا تكرارا متطابقا، ففي كلّ مرّة نجد تغييرات وإضافات، فإذا نظرنا إليها متدبّرين نظرة كليّة جامعة، وجدناها فيما بينها متكاملات غير مكرّرات تكريرا تطابقيّا.
* قول اللّه تعالى: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (15) .
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: [ما لها من فواق] بضم الفاء، وهما لغتان عربيتان للكلمة.
وَما يَنْظُرُ: أي: وما ينتظر. يقال لغة: نظر فلان الشّيء، أي:
انتظره، وفي المثل:"و إنّ غدا لناظره قريب"أي: لمنتظره.
هؤُلاءِ: أي: المعنيون من كفّار قريش الذّين وصلوا إلى طور من هم في عزّة وشقاق.
إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً أي: صيحة واحدة تهلكهم، كالصّيحة الّتي أهلكت ثمود، للمقاربة بين حالهم وحال ثمود، الذين طلبوا آية الناقة، فبعثها اللّه على وفق ما طلبوا، فلم يؤمنوا، ثم عقروا الناقة، فأهلكهم اللّه بالصّيحة وهؤلاء طلبوا آية حسّيّة، فأجرى اللّه لرسوله آية انشقاق القمر، فزعموا أنّها عمل من أعمال السّحر، وأصرّوا على كفرهم، فأوشكوا أن يستحقّوا إرسال الصيحة المهلكة المماثلة للصيحة الّتي أهلك اللّه بها ثمودا.
ما لَها مِنْ فَواقٍ الفواق، والفواق، بفتح الفاء وضمّها، المهملة، أي: ما ينتظر هؤلاء إذا كانوا ينتظرون شيئا من ربّهم، مقابل إصرارهم على كفرهم وعنادهم، ووقوفهم من الرّسول والمؤمنين موقف ذي عزّة وشقاق، إلّا صيحة واحدة تهلكهم، ولس لهذه الصيحة مهلة، بين انطلاقها وإهلاكهم.
ويطلق الفواق والفواق على الوقت بين قبضتي الحالب للضّرع، وعلى