فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 534
روى ابن جرير الطبريّ عن السّدّيّ أنّ داود عليه السّلام كان له تسع وتسعون امرأة، فإن صحّ هذا الخبر فإنّنا نلمح أنّ الملك المتمثّل بصورة المدّعي على أخيه قد استخدم العدد المطابق لعدد نساء داود عليه السّلام، أمّا هو فليس له إلّا نعجة واحدة، كما أنّ"أوريّا الحثّيّ"ليس له إلّا زوجة واحدة. ونلاحظ أيضا أنّه استخدم لفظة تدلّ على الأنثى من الضّأن أو الظباء أو نحوهما، وتدلّ بالتوسّع على المرأة، ليتمّ التّتابع الرّمزيّ في عرض القضيّة.
فَقالَ أَكْفِلْنِيها: أي: فقال لي أخي هذا: أَكْفِلْنِيها: أي:
اجعلها تحت كفالتي، ضمن حظيرة نعاجي، وتنازل أنت عنها.
ولم يأت في التعبير ملّكنيها، ولا هبني إيّاها، ولا بعني إيّاها، ليدلّ التعبير على المعنيين: المعروض في الظاهر، والمرموز له في الباطن.
فالمعروض في الظّاهر أنّ صاحب النعاج التّسع وتسعين، قدّم طلبه نعجة أخيه مقرونا بذريعة تقبل، إذ قال لأخيه: إنّك صاحب نعجة واحدة، وليس لديك استعدادات لرعايتها وحمايتها والقيام بما تحتاج إليه، أمّا أنا فعندي كلّ الوسائل لذلك، وأنا أعوّضك بما يجعلك في غنى عنها، هذه ذريعة يمكن أن تقبل.
والمرموز إليه في الباطن أنّ داود الّذي لديه تسع وتسعون امرأة، واستحسن أن يضمّ إليهنّ زوجة"أوريّا الحثّيّ"بوسيلة ما، وقد تكون هذه الوسيلة أن يطلب منه أن يطلّقها برضاه دون إكراه، فإذا صارت خليّة من زوج، وجاز لداود أن يخطبها ويتزوّجها، ضمّها إلى زوجاته، وتشير عبارة:
فَقالَ أَكْفِلْنِيها إلى أنّها إذا صارت زوجة له كانت في كفالته، لا في ملكه، فإنّ الزوجات لا تملك.
وربّما كانت ذريعته في الظّاهر أنّه قال لزوجها"أوريّا الحثي"أنت