فهرس الكتاب

الصفحة 1891 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 536

ومعظّميه من رعيّته أمرا أو شيئا لنفسه، فإنّه لا يملك إلّا الموافقة السّريعة والطّاعة، ولو كان طلبه على سبيل العرض لا الأمر الإلزاميّ، وهو مع موافقته الظاهرة قد يكون كارها غير راض.

فإذا سئل: كيف وافقت وأنت كاره؟. قال: وهل أملك أن لا أوافق، أنا مضطرّ مغلوب، فلو أنني رفضت لأغضبت سلطاني أو ملكيّ، فتعرّضت بسبب غضبه لأمور هي أشدّ عليّ ممّا أتخلّى عنه لأجله، وأنا في قلبي كاره غير موافق.

فكان من الإبداع في البيان، للدّلالة على العرض التّخييريّ في ظاهره، الملزم في باطنه، عبارة وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ولكنّ هذه المعاني التي سبق بيانها لا تستخرج إلّا بالتّأمّل الدقيق.

ولا بدّ أن يكون داود عليه السّلام قد تثبّت من أنّ صاحب النعجة الواحدة هو صاحب الحق، عن طريق البيّنة، أو عن طريق اعتراف المدّعى عليه من صدق الادّعاء، أو اجتمعا معا، إذ لا يتصوّر منه أن يتسرّع في الحكم قبل التثبّت، وقد وصفه اللّه عزّ وجلّ في صدر الحديث عنه، بأنّه آتاه الحكمة وفصل الخطاب، ومعلوم أنّه ليس من الحكمة إصدار الحكم بناء على السّماع من أحد الخصمين، دون التثبّت من صدق الادّعاء، فمثل هذا لا يفعله أقلّ القضاة حكمة، فضلا عن نبيّ رسول حكيم، له مجلس يقضي فيه بين الناس.

* قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ:

في هذه العبارة مثال من أمثلة فصل الخطاب الذي آتاه اللّه عزّ وجل داود عليه السّلام، ففيها تأكيد أن طالب النعجة من أخيه مستندا إلى سلطته في خطاب العرض، قد ظلمه بهذا الطلب الملزم في باطن الأمر. وجاء التأكيد بعبارة: لَقَدْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت