فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 538
والمناسب هنا إرادة تأكيد التعبير عن القلّة الشديدة، حتّى كأنّهم نادرون.
* وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ (24) :
بعد أن نطق داود عليه السّلام بالحكم الحقّ في القضيّة الّتي عرضها عليه الخصمان، وقدّم النّصح المناسب للقضيّة التى قضى فيها، أخذ يتفكّر في هذا الحدث الذي جرى له.
وطوى النّصّ أن الخصمين قبلا حكمه ونصحه وهديه، وانصرفوا من حيث دخلوا، فلمّا عاد داود إلى خلوته أخذ يتفكّر في هذا الأمر الّذي حدث له وهو في عزلته وخلوته، وأخذ يحاسب نفسه، ويسترجع ما كان من عمله، ويقول في نفسه: كيف دخل عليّ هؤلاء في وقت لا يدخل عليّ فيه أحد، والحرّاس لا يمكّنون أحدا من الدّخول عليّ فيه؟! وكيف خرجوا من عندي دون أن يحدثوا حدثا يدلّ عليهم؟!
هنا أخذت الظّنون تتوارد على تفكيره بعد هذه المراجعة، فظنّ ظنّا قويّا راجحا، يفيد علما ظنّيّا، أنّ الّذين دخلوا عليه هم ملائكة جاءوا على صور بشريّة، وأنّ اللّه عزّ وجلّ لم يرسلهم إلّا لكشف ما امتحنه به في قضيّته الخاصّة، ولكشف ما امتحنه به من قضاء في قضيّة مناظرة لقضيّته الخاصّة، الّتي ما كان يليق به وهو نبيّ رسول من أهل مرتبة المحسنين أن تصدر عنه.
لقد نجح في الامتحان الثّاني، فحكم بالحقّ، ولم يتّبع الهوى، ولم يقس صاحب النّعاج التّسع والتّسعين على نفسه فيما بدر منه من خطيئة لا تليق بمثله، فلم يخفّف عنه في إصادار الحكم رغبة في التخفيف عن نفسه.