فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 539
وبعد أن وضح له الأمر، إذ قابل النظير بالنّظير، ظهر له أنّه لم يكن كما ينبغي أن يكون في الامتحان الأوّل، وأدرك أن الأمر عتاب من اللّه له على ما كان منه فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ: أي: سأل ربّه أن يغفر له ما كان منه وَأَنابَ: أي: ورجع إلى اللّه بالتّوبة، بعد أن ابتعد قليلا عن مقام القرب، بفعل ما لا يليق بمثله، وإن لم يكن معصبة بالنسبة إلى غيره من المتّقين، أو الأبرار، إذ هو من المحسنين أهل المرتبة العليا.
وَظَنَّ داوُدُ: أي: غلب على ظنّه، دون أن يكون ما وصل إليه علما يقينيّا، وغلبة الظّنّ كافية لأن تشعره بأن اللّه عزّ وجل قد امتحنه.
أَنَّما فَتَنَّاهُ:"أنّما"أداة حصر، أصلها"أنّ"الّتي تنصب الاسم وترفع الخبر، و"ما"الكافة لحرف"أنّ"عن عمل النصب والرفع، ومعناها الحصر.
"فتنّاه": أي: امتحنّاه واختبرناه وابتليناه. إنّ مادّة:"فتن"ومشتقاتها تدلّ في الغالب على معنى الامتحان والابتلاء، وقد تدلّ على معنى الإحراق والتعذيب بالنار وعلى معنى الإغراء والإغواء للإيقاع في الإثم، وعلى غير ذلك من المعاني.
لقد امتحن داود عليه السّلام امتحانين، امتحانا في سلوكه الشّخصيّ، فصدر عنه ما لا يليق بأهل مرتبة المحسنين. وامتحانا في الحكم والقضاء، فحكم ولم يتّبع الهوى، وكأنّه قد حكم على نفسه، فكان في هذا الامتحان من ذوي الدّرجة العليا من درجات الإحسان.
فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ: أي: فعقب وضوح الظّنّ الرّاجح لديه سأل ربّه أن يغفر له خطيئته.
الاستغفار: طلب المغفرة، أي: السّتر، يقال لغة: غفر الشّيء يغفره غفرا وغفرانا ومغفرة، إذا ستره، وغفران الخطيئة يقتضي عدم المؤاخذة عليها.