معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 540
وَخَرَّ راكِعًا: خرّ: أي: أسرع في الهويّ للرّكوع دون بطء.
يقال لغة: خرّ الشيء يخرّ ويخرّ خرّا وخرورا إذا هوى من علو إلى الجهة السّفلى.
راكعا: حال مقدّرة، أي: ليستقرّ راكعا. الرّكوع: الانحناء، وأقصى الركوع أن تمسّ الرّكبتان الأرض.
وَأَنابَ: معنى"أناب"في اللّغة"رجع"والمراد الرجوع بالتّوبة، واسم الفاعل منه"منيب"وقد جاء في القرآن بمعنى الرجوع إلى اللّه بالتوبة والطاعة.
وأرى أنّ فعل"و أناب"يعطي دلالتين بالنّسبة إلى داود عليه السّلام، بدليل وجود حرف العطف الدّال على فكرة جديدة مضافة.
الأولى: أن داود رجع إلى ربّه بصدق التوبة والنّدم، والحرص على أن يحافظ على شروط مرتبة المحسنين وذلك من عمق قلبه.
الثانية: أنّه عليه السّلام سجد بعد أن أخذ حظّه من الرّكوع، فيكون المعنى: وأناب ساجدا، لأنّ السّجود أدلّ على كمال الخضوع والذّل للّه، وقد كان السّجود معروفا في عبادات بني إسرائيل، وهو موروث فيهم منذ عهد إبراهيم عليه السّلام، إذ أمره اللّه بأن يطهّر بيته في مكة للطائفين والعاكفين والرّكّع السّجود، وصحّ عن الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد.
روى مسلم وأبو داود والنّسائي وغيرهم عن أبي هريرة، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"اقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد، فأكثروا الدّعاء".
أي: فأكثروا الدّعاء وأنتم ساجدون لربّكم في صلواتكم، وبهذا تتحقّق الإنابة للّه في حالة الجسد، وفي حالة النفس والقلب.