معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 542
خليفة: على وزن"فعيلة"إذا كان بمعنى"فاعل"فهو من يخلف غيره في شيء من الأشياء، أو في أمر من الأمور. كالوارث يخلف من ورثه في أمواله بعد موته، وكالسّلطان يخلف السّلطان الذي كان قبله على كرسيّ الحكم، والأجيال الناشئة تخلف الأجيال السابقة لها، في الانتفاع بالأوطان، وامتلاك الأشياء التي كانت لها، وإذا كان لفظ"خليفة"بمعنى"مفعول"فكلّ منتفع بشيء أو مالك له من عباد اللّه، سيكون مخلوفا من قبل ذي انتفاع جديد، أو ذي ملك جديد، إذا مات السابق، أو انتهت مدّة انتفاعه به، أو انتهت ملكيّته له.
والدّولة المسلمة خلفت دول الفرس والرّومان والأحباش وغيرها من دول الأرض، حينما مكّن اللّه المسلمين من إسقاط هذه الدّول واستخلاف المسلمين، إذ جعل في أيديهم الحكم والسّلطان في كثير من مشارق الأرض ومغاربها.
وقد جعل اللّه داود عليه السّلام ملكا على بني إسرائيل وغيرهم، خلفا لطالوت، وكان قد جعل جلّ جلاله"طالوت"خليفة بعد مقتل الملك الوثني الجبار،"جالوت"على يد داود عليه السّلام.
إنّه بعد استغفار داود عليه السّلام. وركوعه، وإنابته لربّه ساجدا تائبا من عارضة الخطيئة الّتي كانت منه، ممّا لا يليق بأهل مرتبة المحسنين، وبعد نجاحه في الحكم بالحقّ في قضيّة الخصمين، الذي كان بمثابة الحكم على نفسه في القضيّة المناظرة، استحقّ أن يجعله اللّه خليفة في الأرض لمن سلفوا من قادة المؤمنين، ذوي السّلطان الّذين يقيمون الحقّ والعدل بين الناس، والمؤيّدين من عند اللّه عزّ وجلّ بالمعونة والتمكين، والتوفيق والتسديد.
فكان هذا استخلافا معانا، فوق الملك الّذي سبق أن آتاه اللّه إياه، فكان فيه خليفة لطالوت.