معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 544
وفي هذه العبارة بيان أنّ اتّباع الهوى يبعد الحاكم عن الحكم بالحقّ، فالهوى في النفوس له ميولات وانحرافات لا تحصر، واتّباعه يخرج عن سبيل اللّه، إلى سبل ومتعرّجات ومتاهات ومهالك، وضلالات، تتلاعب فيها الشّياطين وتقود سالكيها أو تسوقهم إلى عواقب وخيمة، وعقوبات من اللّه جسيمة، واتّباع الهوى يوصل إلى اعتناق الباطل، والاستمساك بالأفكار والمفهومات الفاسدات، ويوصل إلى الظّلم والعدوان والبغي والفساد العريض في الأرض.
وحينما يتّبع الإنسان الهوى تعشى بصيرته، وتظلم نفسه، وتكون تطلّعاته إلى زينات الحياة الدّنيا وحبّ الشهوات منها شغله الشّاغل، فينسى اللّه والدّار الآخرة ويوم الحساب، فيسقط في الخطايا والموبقات، ويرتكب كبائر الدّنوب والآثام، ويستحقّ بذلك العذاب الشديد عند ربّه جلّ جلاله جزاء وفاقا.
* إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (26) :
يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: يقال لغة: ضلّ عن الطّريق، إذا جار وخرج عن حدوده ذات اليمين أو ذات الشّمال، وسبيل اللّه صراطه المستقيم، وهو تعليمات دينه الذي اصطفاه لعباده.
لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ: أي: لهم عذاب شديد عند ربّهم، بسبب جورهم عن سبيل اللّه، وسقوطهم في المعاصي والمخالفات وارتكاب كبائر الإثم، أمّا السّبب الأول فقد جاء في قوله تعالى:
بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ: أصل النّسيان في اللّغة التّرك، وترك الشّيء وإهماله يصرفه عن الذّاكرة، فلا يخطر في البال.