معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 545
والمراد بنسيان يوم الحساب ترك العمل بما يحقّق النجاة من العذاب، والظّفر بالنعيم المقيم في جنّات النّعيم يوم الدّين، بعد الحساب وفصل القضاء، فالعذاب الشديد لهم سببه الأول نسيان يوم الحساب.
جاءت تسمية يوم الدّين بيوم الحساب، لأنّ الحساب بعض ما يجري في ذلك اليوم، وجاء التذكير هنا بالحساب لأنّه مقدّمة فصل القضاء، الّذي يكون بمقتضاه تنفيذ الجزاء، وبتنفيذ الجزاء يكون العذاب الشديد للّذين تركوا في الدنيا العمل ليوم الدّين، يوم الحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء.
ويلاحظ في هذا النّصّ ترتّب حلقات سلسلة الأسباب بعضها على بعض، فاتّباع الهوى ينسي العمل للنجاة والظفر يوم الدّين الذي يكون فيه الحساب. وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء، وهذا يؤدّي إلى الضلال عن سبيل اللّه والسقوط في المعاصي وكبائر الذّنوب، تنازلا حتّى دركة الكفر باللّه وجحود يوم الدين، وهذا يؤدّي إلى استحقاق العقاب والعذاب الشديد بقدر تنازل الدركات، ويكون لكلّ مذنب استحقاق من العذاب بما يلائم الدركة التي انحدر إليها.
وفي هذه الآية بيان ضمنيّ تعريضي للذين كذبوا بإنذارات الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، بأن ما جاءهم به هو إحدى القضايا الدينيّة الاعتقادية التي جاء بها المرسلون من قبله.
* قول اللّه تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) .
في هاتين الآيتين استثمار لبعض ما جاء في قصّة داود عليه السّلام، المعروضة في هذا الدرس الثاني من دروس السّورة، لإقامة الدليل العقليّ