فهرس الكتاب

الصفحة 1904 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 549

في مراحل، كلّ مرحلة منها يلزم عنها المرحلة الّتي تليها، دليلا برهانيّا ملزما، مثبتا ضرورة يوم الدين بالدليل العقليّ البرهاني.

ومن أنكر هذا فلا بدّ أن يلتزم مقولة عن اللّه أخرى تنفي حكمة اللّه في الخلق، وتثبت أنّ خلق السّماء والأرض وما بينهما، وخلق الإنس والجنّ باطل وعبث من العبث.

هذا ما دلّت عليه الآيتان:

وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) .

ينفي اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه، باستخدام ضمير المتكلّم العظيم، أن يكون قد خلق السّماء والأرض وما بينهما من إنس وجن وملائكة وحيوان ونبات وغير ذلك باطلا دون قصد حكيم، وغاية حكيمة، ويبيّن أنّ ذلك التصوّر المستبعد إلى ظلمات المستحيلات العقلية ظنّ الّذين كفروا، وهو حتما ظنّ ضعيف جدّا من دركة التوهّمات الباطلات.

باطلا: الباطل ضدّ الحقّ، والعمل الباطل، هو الذي لا يؤدّي إلى غاية حكيمة، ومن العمل الباطل إجراء اختبار يكون فيه ظالم ومظلوم، ومسلم ومجرم، ومحسن ومسيء، ثمّ ينتهى الامتحان دون حساب، وفصل قضاء، وتحقيق جزاء، هذا أمر لا تستسيغه نفوس الأطفال الصّغار، فضلا عن أهل العقل والرشد والرأي السديد. ومن العمل الباطل تضييع الأوقات والطاقات سدى بلا فائدة تجنى، كالمرأة الحمقاء الّتي تنقض غزلها من بعد قوّة أنكاثا، وكالرجل الأحمق الذي يهدم بنيانا لا ليقيم مكانه بنيانا أفضل منه، إنما يفعل ذلك لمجرّد العبث.

فهل تقبل العقول أن يخلق اللّه الإنسان في أحسن تقويم، ويسخّر له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت