فهرس الكتاب

الصفحة 1915 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 560

كان سليمان عليه السّلام مولعا باقتناء الخيول واستعراضها، لأنّها من أفعل الوسائل في العصور السالفة للجهاد في سبيل اللّه، بغية نشر دين اللّه، وقمع الكفر والشّرك والمشركين والمفسدين في الأرض.

وفي عشيّة من العشايا، وهي في العادة تكون بعد وقت العصر، حتّى غروب الشمس، طلب سليمان عرض موكب خيوله عليه، فعرضت عليه أرتالا، وربّما رافق ذلك سباقات بين بعضها.

ولا بدّ أن تسير مارّة قرب مجلسه في استعراضها، متّجهة في طريقها ومنصرفة نائية عنه، وهي من نقايات الخيول وجيادها، وربما كانت مسرجة ملجمة عليها فرسانها، واستمرت مسيرة عرض الخيول حتّى استتر آخر أرتالها عن نظره، انعراجا ذات اليمين أو ذات الشّمال، أو هبوطا في طريق نازلة، أو نحو ذلك.

وشعر سليمان عليه السّلام وهو يستعرض خيوله، أنّه ابتهج بهذا المشهد الرائع، وسرّ به، وخاف أن يكون قد مال إلى مباهج الحياة الدّنيا، ورغبة العلوّ في الأرض، وخاف أن يفهم شعبه ذلك عنه، فقال لحاشيته والنّاس من حوله: إنّي أحببت اقتناء جياد الخيول وتدريبها واستعراضها حبّ الخير، أي: لا حبّ التّفاخر والتّعاظم والعلوّ في الأرض الّذي لا يليق بأهل القرب من اللّه جلّ جلاله، وهذا الخير هو الجهاد في سبيل اللّه لنشر دين اللّه وإعلاء كلمته.

وهذا الحبّ الّذي أحببته للخيول ناشيء وصادر عن ذكر ربّي، لا عن انشغال نفسي بمباهج الحياة الدنيا وزينتها ومفاخرها.

ثمّ طلب من أمراء ساسة الخيول أن يردّوها عليه، فردّوها، فلمّا وصلت إلى مكان العرض قافلة، قام من مجلسه ونزل إلى طريق العرض، وأخذ يعبّر عن تكريمه لها إشعارا بتكريم الغاية منها، فجعل يحني ظهره تواضعا فيمسح بسوقها، ويقيم ظهره فيمسح بأعناقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت